فهرس الكتاب

الصفحة 687 من 1035

يقول أنس رضي الله عنه وأرضاه: [صحبت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين، ما لمست ديباجًا ولا حريرًا ألين من كفه، ولا قال لي يومًا من الأيام قط: أف] طفل صغير ما قال له يومًا من الأيام: أف، فكيف بامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر؟! يأتي صلى الله عليه وسلم إلى عائشة فيقول: (يا عائشة! هل عندكم شيء، قالت: لا، قال: إني إذًا صائم) ما قال: فعل الله بك وفعل ما قال: أين طعامنا؟ تقول عائشة: (وإني لأضع يدي على بطنه أرى أثر الجوع) صلوات الله وسلامه عليه.

شيمة ووفاء أبلغ ما يكون من الحب والصفاء والرحمة والشفقة والخيرية للأهل في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم؛ ما سمع منه يومًا من الأيام إساءة إلى زوجة من زوجاته، وكان يتحبب إلى المرأة حتى ينادي بالترخيم، فيقول لـ عائشة: (يا عائش!) يدللها ويعطف عليها صلوات الله وسلامه عليه، ولما أمره الله أن يخير نساءه، وأخبر عائشة رضي الله عنها وأرضاها بحكم الله فيه وفي نسائه، فقال لها: (لا تعجلي، استأذني والديك، فقالت رضي الله عنها: أفيك أختار يا رسول الله؟!) .

لو لم يكن وفيًا صلوات الله وسلامه عليه ورحيمًا بأهله ما اختارته رضي الله عنها وأرضاه.

تلك السيرة العطرة، والمواقف الجميلة النضرة من المحبة والصفاء والشيمة والوفاء، فصلوات ربي وسلامه عليه إلى يوم الدين مع هذا كله يلاطف ويعاشر مع القول بالفعل! خرج صلى الله عليه وسلم معها إلى قباء فسابقها فسبقها صلوات الله وسلامه عليه، فطلبته الثانية فسبقها، حتى إذا بدن وكبر عليه الصلاة والسلام سبقته رضي الله عنها وأرضاها، فيقول لها يطيب خاطرها: (هذه بتلك) ، قلوب تعلقت بالله، وأذعنت لجلال الله، فتقربت إلى الله بالإحسان إلى الأهل.

أحبتي في الله: إنها العشرة التي يحب الله أهلها وأصحابها، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم دالًا لك ومعرفًا إذا أردت أن تعرف خيرية الإنسان أن تنظر إليه مع أهله (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي) إذا أردت أن تعرف خير الرجل، فانظر إلى ذلك الرجل الذي تؤذيه امرأته فيحسن إليها، وتهينه فيكرمها، وتحرمه فيعطيها إلى ذلك الرجل القادر على الانتقام ولا ينتقم لوجه الله، والقادر على الطلاق ولا يطلق لوجه الله، والذي ما ذهبت زوجته يومًا من الأيام تشتكي إلى أبيها.

وإن في الرجال من هو على الصبر والتذمم ما لا يعلمه إلا الله عز وجل، ولقد بلغ ببعضهم أنه آذته امرأته، وأصبحت تسبه وتشتمه، حتى سمع بعض طلابه ذلك السب والشتم، فقيل له: لا تسرحها؟ فسكت، ثم قيل له: هلا أجبتها؟ أي: أين الرجولة؟! أجبها، فقال: أستحي من الله أن يسمع مني كلمة لأهلي لا ترضيه.

يريدون لقاء الله خفيفين من الأحمال والأوزار، وقد يسلط الله على العبد أهله فيؤذى ويصبر لوجه الله عز وجل، فمن الناس من يؤذى في أهله فيصبر ويحتسب فيجمع الله له بين خيري الدنيا والآخرة.

ولذلك قال الله عز وجل عن نبيه زكريا: {وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ} [الأنبياء:90] قال بعض العلماء: كانت زوجته قاسية فظة عليه، فصبر لوجه الله عز وجل، حتى قلبها الله في آخر حياتها فأصبحت ذات الخلق الحسن، وكم من أناس صبروا على أذية الزوجات فبلغهم الله عز وجل بذلك الصبر أعالي الدرجات، وأوجد لهم الحب وجزيل الحسنات، وكفر عنهم بتلك البلايا عظيم السيئات، فوافوا الله عز وجل بحسنات عظيمة، وأجور كريمة، ومنهم من جمع الله له بين الحسنيين، وآتاه حسن العاقبتين، فأصلح له أهله في الدنيا قبل أن يلقاه، ثم أصلحها له من بعده.

وقد حدثني بعض الإخوان أن أمه كانت شديدة على أبيه، وكان صابرًا لوجه الله، وكانت تؤذيه وتضطهده حتى تهينه بين يدي أولاده، وهو يصبر ويحتسب، ومن العجيب أنها ما كانت تسبه وتشتمه إلا أجاب بذكر لله عز وجل، إما أن يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، أو حسبنا الله ونعم الوكيل، أو يقول لها: يا أمة اللهّ! اتقي الله في نفسك، ويذكرها بالله.

يقول: ما سمعت منه يومًا من الأيام إساءة إلى والدتي، مع شديد قبح الألفاظ وشناعتها التي تؤذيه بها، يقول: فصبر واحتسب، فشاء الله عز وجل في آخر حياة الأب أن مرض، فقلب الله قلبها حنانًا وعطفًا وشفقة عليه، يقول: كنا مسافرين، فكانت الأم هي التي ترعاه، وتقوم على شأنه، إلى درجة أن أعمامي -إخوة أبي- لا يأتونه خوفًا من الإصابة بالعدوى، فما صبرت إلا تلك المرأة، ومع هذا اختاره الله إلى جواره، وبعد وفاته أصبحت تكثر له من الدعوات والاستغفار وتذكره بصالح الدعوات، وإذا ذُكِر خشعت من ذكراه مما تتذكر من صبره عليها.

وكم من أناس صبروا لوجه الله تعالى، أولئك الرجال الذين يخرجون من الدنيا، وقد أسروا قلوب زوجاتهم في محبة الله ومرضاة الله! ومع الخير الموجود في الرجال فإنه موجود كذلك في النساء، فكم من أمة لله صابرة على أذية بعلها، وكم من أمة لله صابرة على أذية زوجها.

من النساء من تؤذى وتهان وتضرب وتذل، ولا أحد يعرف بذلك الأمر، ومن النساء من تؤذى وتهان في بيت زوجها بأمور لا يعلمها إلا الله، وما اطلع أحد على ذلك السر، ولا علم به أحد فهي صابرة ومحتسبة لوجه الله.

وحدثني بعض الأخيار أن أختًا له أوذيت وضربت حتى كان من أثر الأذية جرحًا في جسدها، يقول: فجاءت إلى بيتها، فقيل لها: ما هذا؟ فادعت شيئًا غير الضرب، يقول: وما علمنا بذلك.

من النساء من هن صابرات لوجه الله، ويحتسبن الأجر عند الله، فطوبى لهن وحسن مآب.

فالله الله في المعاشرة بالمعروف! إياكَ أن تكون المرأة أوفى لله منك! وإياكِ أن يكون الزوج أوفى لله منكِ! حاولي قدر الاستطاعة أن تكوني أبر لله، وليحاول الرجل أن يكون أبر لله {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} [المطففين:26] فإن بيوت المؤمنين لا تعرف هذه المشاكل، ولا تعرف تنغيص العيش؛ لأنها إذا اختلفت في أمر فعندها كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم دواءً شافيًا، وعلاجًا كافيا، نسأل الله العظيم أن يرزقنا وإياكم المعاشرة التي ترضيه لوجهه، ونعوذ بالله العظيم أن يطلع على عورة منّا تغضبه في عشرة الأهل والأبناء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت