فهرس الكتاب

الصفحة 738 من 1035

من مشاهد التوحيد: إذا كان يوم النحر الذي وصفه الله عَزَّ وَجَلَ بيوم الحج الأكبر، هذا اليوم الذي يستفتح الناس فيه رمي جمرة العقبة، فيتذكرون موقفًا من مواقف التوحيد لإمام من أئمة الحنيفية صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَلِيهِ إبراهيم الخليل، هذا النبي الممتحن الذي امتحن في لا إله إلا الله فصدق مع الله فصدق الله معه، شعائر الحج تذكر به صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَلِيهِ في إيمانه وتسليمه، ومن ذلك يوم الحج الأكبر، هذا اليوم المبارك يستفتحه العبد إذا أشرقت شمسه برمي جمرة العقبة إذا تذكر خليل الله وهو يرى في الرؤيا أنه يقتل ولده ويذبحه، أي امتحان مثل هذا الامتحان، امتحنه الله في بلده ووطنه فخرج من بلده مهاجرًا إلى الله، فأبدله الله الأرض المقدسة، ثم امتحنه الله عز وجل في عشيرته وقومه فتركهم لله، فجعل الله في ذريته النبوة والكتاب.

ثم امتحنه الله عز وجل في ولده وفلذة كبده أن يذبحه {يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى} [الصافات:102] وانظروا كيف الذرية الطيبة وأهل التوحيد كيف يجعل الله عز وجل ذريتهم طيبة، قال تعالى: {ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ} [آل عمران:34] {قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ} [الصافات:102] انظروا كيف التوحيد والتسليم إذا جاءك أي أمر من أوامر الله أن تفعل شيئًا أو تترك شيئًا هذا وهو في صغره يسأل أن يضحي بروحه ونفسه {قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ} [الصافات:102] هذا التوحيد والإيمان ثم انظر إلى التوحيد {سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ} [الصافات:102] ما قال: ستجدني واتكل على حوله وقوته، لا، {سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} [الصافات:102] صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَلِيهِ، الله أكبر! تصور إذا قدمت روحك للموت استجابة لأمر الله كانت رخيصة لأمر الله جَلَّ جَلالُهُ، تسليم وتوحيد وانظر كيف يأتي الفرج مع كمال التوحيد.

يقول الله عز وجل: {فَلَمَّا أَسْلَمَا} [الصافات:103] حتى جاء في الأخبار والسير أن إسماعيل يقول لوالده: يا أبتِ! لا تذبحني وأنا مقبل إليك، ولكن اكفني على وجهي حتى لا تنظر إلي فتدركك الشفقة، حتى الابن يعين على الإيمان والتسليم، لذلك تجد الأب إذا كان موحدًا صالحًا أنشأ الله له الذرية الصالحة، والعكس أيضًا، ولذلك صلة بن أشيم كان له أربعة من الولد وتقدم للجهاد في سبيل الله فماذا قال هذا الأب الصالح أمام الغزو وأمام العدو- انظروا الشجاعة والإيمان التي ينبغي أن يكون عليها الموحد الموقن الذي لا يمكن أن يفلح في الدنيا إلا بهذا الإيمان الذي يورث الشجاعة- قال لأحد أبنائه وهو الكبير: تقدم يا بني! فإني أريد أن أحتسبك عند الله، أي: أريدك أن تموت أنت قبلي فأحتسبك عند الله عز وجل، ما جاء هو يتقدم فرارًا من أن يرى ولده يذبح أمامه، هكذا كانت الأمة الموحدة الموقنة المخلصة، فإبراهيم عَلِيهِ الصَلاةُ وَالسَلام يقول له ابنه: {سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} [الصافات:102] يقول الله تعالى: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} [الصافات:103] أسلما: أي: استسلما، ومثله أن يأتيك أمر الله في بيتك وأهلك وزوجك، فحينما تستسلم وتنفذ أمر الله يأتيك الفرج، أما أن تذهب فتبحث عن الرخص فتتأول وتجتهد فبهذا يسلم العبد إلى حوله وقوته نسأل الله السَّلامة والعافية.

لكن إذا سلَّم وتوكل واعتقد في الله، فالله لا يخيبه، يقول الله: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إبراهيم * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا} [الصافات:103 - 105] فجاءه الفرج من الله {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} [الصافات:107] ففداه الله جَلَّ جَلالُهُ من فوق سبع سماوات بالإسلام والاستسلام والتوحيد، فإذا رمى المسلم جمرة العقبة تذكر هذا الابتلاء، وتذكر أنه سيمتحن في أهله وماله ونفسه وفلذة كبده، فينبغي أن يقدم ما عند الله على ما عند نفسه، نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا كمال الإيمان والتسليم.

كذلك أيضًا بعد رميه لجمرة العقبة يذبح إذا كان متمتعًا أو قارنًا، فإذا ذبح هديه ذبحه لله جَلَّ جَلالُهُ وهذا مشهد من مشاهد التوحيد إراقة الدماء لفاطر الأرض والسماء، حتى إن الإنسان إذا أراق دم البهيمة قال: باِسْمِ اللهِ، الله أكبر، فسمى الله وكبر على بهيمته تأسيًا برسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وتقربًا إلى الله عَزَّ وَجَلَ في هديه، وقع الدم عند الله بمكان قبل أن يقع على الأرض، وتأتي يوم القيامة بجلودها وشعرها وأظلافها وجميع ما فيها في ميزان العبد، لكن إذا كانت بالتوحيد كانت لله، ولم تكن لأي شيء سواه، لا تذبح لوثن ولا لشجر ولا لقبر ولا لولي، ولا تذبح خوفًا من الجن أو عند النزلة من أجل إرضاء الجن، لكن لله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إخلاصًا وتوحيدًا {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي} [الأنعام:162] أي: ذبحي، كما قال تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر:2] فهذا مشهد من مشاهد التوحيد.

كذلك أيضًا يقف الإنسان يتحلل من هذا النسك فيحلق شعر رأسه قربة لله عَزَّ وَجَلَ وطاعة لله جَلَّ جَلالُهُ، كما فعل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فتدور مناسك الحج وشعائر الحج كلها مع الإيمان والتسليم مع كمال اليقين لله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا ذلك التسليم والإيمان.

وجماع الخير كله أن يكون عند العبد قلب حي، فإن الذكر والانتفاع بهذه العبادات يفتقر إلى نفس مؤمنة إلى قلب مقبل على الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى حتى يتفكر ويتدبر ويتبصر، ويجد هذه المعاني الكريمة والآثار العظيمة التي تزيد من إيمانه ويقينه بالله جَلَّ جَلالُهُ.

اللهم إنا نسألك إيمانًا كاملًا، ويقينًا صادقًا، وعلمًا نافعًا، وعملًا صالحًا، وآخر دعوانا أن الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت