غزواته على قل من الزاد ونقص في الراحلة إلى حد أن يتعاقب ثلاثة من أصحابه على راحلة واحدة كما وقع في غزوة بدر، وربما جاءه الضيف فيمر هلى بيوته فلا يجد له طعامًا فيقول: من لهذا الضيف؟ فيبادر أحد أصحابه غلى أخذ الضيف إلىمنزله فيقدم له القرى الكافي مؤثرًا إياه على حاجته وحاجة أولاده للطعام، وكان يأتيه بعض أصحابه الراغبين في الخروج معه للجهاد في سبيل الله فيقول لهم: (لا أجد ما أحملكم عليه) فيرجعون وأعينهم تفيض بالدموع حزناص لعدم وجودهم لما يقدرون به على الجهاد في سبيل الله: فهل معنى هذا أنه صلى الله عليه وسلم كان فقيرًا عاجزاص حتى عن الحصول على ضروريات العيش ومتطلبات الجهاد؟ والجواب بالطبع (لا) بل هو اختيار من النبي صلى الله عليه وسلم وإيثار للآخرة على الأولى، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه لما بكى حين رأى الحصير أثر في جنبه الشريف وقال: يا رسول الله ألا نصنع لك فراشًا وذكر له ما عند كسرى وقيصر من الأسرة والأرائك.
قال النبي صلى الله عليه وسلم وهو كالمغضب: (يا عمر أولئك عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا) وهذا يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم ترفع عن زخرف الحياة الدنيا ومتاعها القليل والزائل رغبة فيما عند الله من النعيم المقيم، وظهر هذا الترفع السامي في تواضع عيشه وبيوته ومسجده، وحين خير بين البقاء في الدنيا إلى نهايتها وبين لقاء ربه اختار لقاء ربه.