الصفحة 46 من 296

كان مساء جاكرتي اعتيادي، حار وشديد الرطوبة، غيوم ثقيلة تغطي سماء المدينة منذرة بليل ماطر، لم أكن قد غادرت الفندق من قبل إلا في سيارتي الجيب التي يقودها سائقي الخاص، تجاوزت حافة الطريق المنظفة بعناية والموصلة إلى الفندق. اعترضت طريقي وكانت على وشك أن تصدمني عرية أجرة بثلاث عجلات تدعى"بكاك. وكنت قد مررت بمئات من هذه العربات خلال ذهابي مع سائقي إلى اجتماعات متعددة. وكنت دائما أجد الرسوم الزيتية بألوان قوس قزح مرسومة على جوانب ما يشبه الصندوق لمقاعدها العالية المثيرة بألوانها، مذكرة بطرافة بأن أندونيسيا كانت أرض الفنون. أما الآن فقد رأيت مظهرا آخر: هؤلاء سائقون فقراء بأسمال بالية يتنافسون بيأس للحصول على زبائنهم. أسرعوا إلي فارعين أجراسة، وصرخوا بأصوات عالية ليجلبوا انتباهي. تحركت في محاولة لكي لا أدهس، وكنت على وشك أن تزل قدمي في بقعة ماء راكدة سوداء كالقار، مليئة بالقاذورات وتفوح منها رائحة البول."

سالت بقية الماء القذرة ببطء منحرفة بانحدار شديد إلى أحد الأقنية الكثيرة التي كان قد بناها المستعمرون الهولنديون، كانت راكدة وغطت سطحها نفايات خضراء عفنة، وكانت رائحتها النتنة لا تطاق، لقد بدا منافية للطبيعة أن المبدعين الذين حولوا البحر إلى مزرعة جميلة قد حاولوا إعادة خلق أمستردام وسط هذا الجو الاستوائي الحارة القناة وكما البقية الوسخة التي كانت تصب فيها طفحت بالأنقاض، وكان بإمكائي التمييز بين الاثنتين من خلال رائحة الفنانة المتميزة، كانت البقعة الصغيرة السوداء لها رائحتها الخاصة، رائحة البول والفاكهة العفنة، بينما القناة كانت تحمل رائحة عميقة لاذعة هي خليط من البراز والعفن.

تابعت السير متفادية عريات الأجرة التي كانت تحاذي جانبي الطريق، وكان توجد خلف هذه العربات باتجاه الطريق العام حركة سير جنونية من السيارات والدراجات النارية وأصوات المزامير وضجيج المحركات وكواتم أصوات السيارات القديمة كل هذا كان غامرة ومريكا، كما كانت أيضأ رائحة النفط اللاذعة تنبعث على أرض الرصيف الحار وتفوح رائحة دخان المحروقات في هواء الجو الرطب الحار. بدا ثقل كل هذا يؤثر على حالتي البدنية

وقفت للحظة شاعرا بأنني قد هوجمت، وهزمت. وكنت على وشك أن أستسلم، وأعود إلى صفاء وسكون الفندق، لكن ذكرت نفسي بأنني قد تحملت غابات الأمازون، وعشت أكواخ الطين مع الفلاحين في انديس الذين كان معاشهم اليومي هو أكل البطاطا وحفنة من البقول وعندما كانوا يسألون عن أسماء أولادهم يسمون الأحياء منهم الأموات. وكان الأموات غالبا يفوقون الأحياء، فكرت في أعضاء فريقي الآخرين وفي كل الرحلات التي يتعمد فيها الأمريكيون تجنب مشاهدة البلاد التي يزورونها بالطريقة التي يراها فيها غالبية السكان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت