ولهذا جاء في الصحيحين وغيرهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر من عنده رجل، فقال: (ما تقولون في هذا؟ فقال: هذا يوشك أن إذا غاب أن يسأل عنه، وإذا خطب أن يزوج، وإذا سأل أن يعطى، فلما جاء رجل آخر فسأل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فقال عليه الصلاة والسلام: ما تقولون في هذا؟ فقال: هذا يوشك إذا غاب ألا يسأل عنه، وإذا خطب ألا يزوج، وإذا سأل ألا يعطى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا خير من ملء الأرض من هذا) ، والمراد بذلك أن أمر البواطن لا يدركه كثير من الناس، وإنما يحكمهم ما يرونه من حال الإنسان في ظاهر أمره، والظواهر من الأمور المشكلة لدى كثير من الناس، وذلك أن حكمها بحسب اقتران الإنسان ببصره الذي يشاهده؛ فإن الإنسان قد يطلع على شخص ساعة، أو يطلع عليه عشرًا، فتتباين المعرفة بحسب الاطلاع؛ ولهذا تتناقض أحوال الناس بالتحكيم على ظواهر الناس بحسب ما يرون، فهذا يزكى، وهذا يذم، والذات واحدة، وذلك أن الإنسان قد عرف عنه ما لم يعرفه غيره. وأما بالنسبة للبواطن فإن حكمها واحد؛ ولهذا كانت بالنسبة لله جل وعلا هي الحكم، فالإنسان يتصنع بظاهره ولا يتصنع بباطنه على الإطلاق، وهو يوزن بباطنه كما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين وغيرهما من حديث عمر بن الخطاب قال: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) ، يعني: أن العبرة بعمل القلب لا بعمل الجوارح، وما يلفظه الإنسان من أقوال، فهي ليست عند الله حكمًا مجردًا حتى تقترن بشيء من عمل الباطن.