وثمة محققون في مذهب الإمام أحمد رحمه الله يحققون مذهبه، ومن أدق هؤلاء الأئمة في مذهب الإمام أحمد إمامان جليلان لا يتقدم عليهما أحد في تحرير أدلة مذهب الإمام أحمد، أولهما الحافظ ابن رجب رحمه الله، والثاني ابن عبد الهادي، فهذان الإمامان ممن يعتنون بأدلة مذهب الإمام أحمد وتحريرها. وفي حال طلب الدليل والتماسه فإنه يرجع إلى هذين الإمامين، وقد وقفا على الكتب المندثرة عندنا مما لم نقف عليه، ومن نظر في كتاب شرح العلل لابن رجب وفتح الباري لابن رجب أيضًا وجد أنه يحيل إلى كتب ومسانيد لا توجد عند أحد، ككتب وكيع و سفيان، وكتب الأثرم، وكذلك ما جاء عن حرب الكرماني و أبي حفص العكبري وغيرهم من أصحاب الإمام أحمد عليهم رحمة الله ممن له أثر بمعرفة الأدلة المنقولة عن الإمام أحمد عليه رحمة الله. ويأتي بعد ذلك وإن تقدموا زمنًا من اعتنى بتحرير الأدلة، لكن لا يوازي تحرير هذين الإمامين، وذلك ليس نقصًا في أهليتهم في العلم، وإنما لانشغالهم في بعض الأبواب، أو لتميز غيرهم عليهم، ومن هؤلاء الأئمة ابن تيمية رحمه الله، فله تحريرات ولكن لم يحرر المذهب تامًا، وليس له مدون حرر فيه مذهب الإمام أحمد تامًا من أوله إلى آخره، وكذلك فإنه لم يعتن بتحرير الأدلة، وإن كان له تحرير للروايات في كتابه الفتاوى سواءً في الفتاوى المصرية، أو في غيرها، أو في كتابه شرح عمدة الفقه للمقدسي، ولكنه لم يتم هذا الكتاب، ثم أيضًا إن هذا الكتاب شرحه مبكرًا في سن الثلاثين، وشرح هذا الكتاب ثم انصرف إلى الكلام في مسائل العقيدة، والرد على الطوائف، وشغله ذلك عن تدوين ما لديه من أدلة المذهب، وكذلك تحريرها، ومن ذلك أيضًا كتاب المحرر لأبي البركات بن تيمية، فإنه حرر فيه جملة من المسائل، فينبغي لطالب العلم أن يعتني بهذه الكتب من جهة تحرير المذهب.