أولًا: رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: (نحن أمة أمية لا نكتب) ، وجاء في رواية: (لا نقرأ ولا نكتب) ، النبي عليه الصلاة والسلام كان من أصحابه من يقرأ ويكتب وكان فيهم من يحسب أيضًا، ومع ذلك جعل النبي عليه الصلاة والسلام هذا الأمر من جهة التعليل باقيًا ومستمرًا إلى قيام الساعة، ثم إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد فتوح البلدان واتساع رقعة الإسلام، وكذلك معرفة متأخري أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك التابعين وأتباع التابعين وتسليمهم بكثير من مسائل الحساب إلا أنه لم يكن هذا الأمر معتبرًا، بل جعل هذا الأمر من العلل التي علل فيها التشريع وبقيت إلى يومنا هذا، ككثير من التشريعات التي شرعها الشارع وزالت العلة وبقي التشريع إلى يومنا هذا، كمسألة التشريع في الرمل والاضطباع في الحج، وكذلك في رمي الجمار فيمن علقه برؤية الشيطان وقد زال حينئذ، ولكن قد بقي تشريعًا باقيًا إلى قيام الساعة. وأما تعليق الأمر بمسألة الحساب، فإن هذا من جهة الأصل مخالف لما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من جهة النص، وكذلك ما كان عليه الأئمة في القرون المفضلة بل قرون الإسلام بعد ذلك، لا في قرن الثالث ولا في الرابع ولا في الخامس ولا في السادس ولا في السابع أيضًا لم يكونوا على هذا القول، مع اتساع رقعة الإسلام واعتداد أهل الإسلام بكثير من علوم الطبيعة من الطب والمنطق والحساب بأنواعه وغير ذلك مما هو معلوم، ولهذا لا يعلم عن أحد من السلف أنه قال بمشروعية الحساب، وإنما ثمة قول مرسل يحكى بلا إسناد في بعض كتب الفقهاء عن مطرف بن عبد الله بن الشخير أنه قال بذلك، وهذا قول ليس له إسناد بل أنكره جماعة من العلماء، و مطرف هو من التابعين من متوسطيهم، أنكر قوله ذلك ابن عبد البر عليه رحمة الله كما في كتابه الاستذكار والتمهيد، وقال: هذا القول ليس له إسناد عنه ونفاه.