ولهذا ينبغي أن يعلم أن الاستدلال ببعض التأصيلات الشرعية أو ببعض القواعد الشرعية من أجل حماية الدين وصيانته، وكذلك الاحتراز لركن من أركان الإسلام، ووضعه في موضع لم يرده ولم يقصده الشارع، أنه ليس هذا من مقاصد التشريع ولا من أهداف أو مقاصد رسول الله صلى الله عليه وسلم، رؤية الهلال علقت مع وجود الحساب لمقصد التيسير، وكذلك القبلة جعل ما بين المشرق والمغرب قبلة لمقصد التيسير مع وجود الجري، الحساب باستطاعة الحاسب من جهة الفلك أن يعرف حد القبلة على خط مستقيم، وما علق الأمر بذلك وإنما علق على السعة. إذًا: من علق القبلة بالتدقيق أنا أرى أن هذا ضرب من ضروب التشديد، أن توضع البوصلة مثلًا ويجعل هذا المحراب عليه بالدقة وإن انحرف درجةً واحدة تزال المحاريب، وقد علمت أن ثمة محاريب أزيلت ومساجد أزيلت بسبب درجة واحدة عن القبلة وهي جهة الناحية. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في حديث أنس بن مالك عليه رضوان الله تعالى وغيره، كان يستقبل القبلة على راحلته إذا تنفل ثم يصلي حيث اتجهت به عليه الصلاة والسلام، إذًا: هذا الأمر المراد به ضرب من ضروب التيسير للناس، التعلق بالوصول إلى الدقة في هذا الأمر ليس من مقاصد التشريع، لماذا؟ مقصد التشريع أن تتجه للقبلة عملًا ونية، وأما التدقيق فهو تعسير وتشديد في نواح عديدة نظر إليه الشارع وأهمل هذا الجانب، ولهذا كثير ممن يتكلم في هذا الباب: صيانة العبادة والاحتراز لها ونحو ذلك، عليه أن ينظر إلى هذه المصلحة وهذا المقصد النبوي.