فهرس الكتاب

الصفحة 148 من 389

فانظر في هذا الشهر حالة كونهم يلعبون فيه ويرقصون ولا يبكون ولا يحزنون، ولو فعلوا ذلك لكان أقرب إلى الحال لأَجل اقتراف الذنوب والحزن والبكاء من أجل فقد النبي - صلى الله عليه وسلم -، مع أنهم لو فعلوا ذلك والتزموه لكان أيضًا بدعة وإن كان الحزن عليه - صلى الله عليه وسلم - واجبًا على كل مسلم دائمًا، لكن لا يكون على سبيل الاجتماع والتباكي وإظهار التحزن، بل ذلك الحزن في القلوب، فإن دمعت العيون فيا حبذا وإلا فلا حرج إذا كان القلب عامرًا بالحزن والتأسف، إذ المقصود بذلك كله إنما وقع الذكر لهذا الفصل لكونهم فعلوا الطرب الذي للنفوس فيه راحة وهو اللعب والرقص والدف والشبابة وغير ذلك مما تقدم، بخلاف البكاء والحزن إذ ليس للنفس فيه راحة بل الكمد وحبس النفوس على شهواتها وملاذاتها.

ولو قال قائل: أنا أعمل المولد للفرح والسرور بولادته - صلى الله عليه وسلم -، ثم أعمل يومًا آخر للمأتم والحزن والبكاء عليه.

فيجاب عليه: أن من عمل طعامًا بنية المولد ليس إلا وجمع له الإخوان فإن ذلك بدعة، هذا وهو فعل واحد ظاهره البر والتقرب ليس إلا، فكيف بهذا الذي جمع بدعًا جملة مرة واحدة، فكيف إذا كرّر ذلك مرتين مرة للفرح ومرة للحزن، فتزيد البدع ويكثر اللوم عليه من جهة الشرع (1) .

(تفضيل ليلة المولد على ليلة القدر(2) ، حتى قال قائلهم: (ليلة مولد سيد الأنام أفضل أيام العام) ، ويقول النبهاني (3) :

صف ليلة المولد وصَفًا حسنًا ما ليلة القدر سواها عندنا

قد أشرقت فابتهجت منه الدجا واعتدلت فلم يكن فيها عنا

ما بين حر وَصفها وبرد

من ليلة القدر نراها أحسنا قد جمعت أفراحنا وأنسنا

وأوسعتنا نعمًا ومِننا وبلغتنا كل قصد ومنى

وكل مطلوب بغير عدِّ

(1) المدخل لابن الحاج (2/ 14 - 16) .

(2) رَ: المولد النبوي لعبد الغفار حميدة (82 - 83) .

(3) رَ: حجة الله على العالمين (249) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت