وأما شَد الرحال إلى قبره - صلى الله عليه وسلم: فإنه نهى عن شد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد فقال: «لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدي هذا، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى» (1) .
أما من قَصد غيرها لأجل العبادة فقد خالف الأمر ووقع في النهي، لكن قد يأتي من يُخالف فيقول: (ليس في الحديثِ النهي عن شد الرحال إلى القبر، وليس فيه ذكر القبور أَصلًا، فمن أين قُلتم أن الحديثَ ينهى عن شد الرحال إلى القبر) .
الجواب: أن المساجد إنما ذكرت لأن المقصود هو العبادة، فالقاصد للمسجد إنما يقصده لأجل الصلاة وقراءة القرآن والذكر والاعتكافِ … وهذه عبادات، وزيارة القبور لا ريب أنها عبادة لأَن الشارع أمر بها … وكل ما أمر به الشارع فهو عبادة، وعلى ذلك فلا يجوز السّفر من أجل زيارة القبر؛ لأن السفر لأجل العبادة لا يجوز إلا لهذه المساجد الثلاثة.
وليس في هذا الكلام منع لزيارة القبور، بل الزيارة الشرعية مَشروعة في كل حال، وأما الممنوع فهو السَّفر لأجلها. فإن لم يسلم المخالف بهذا فحينئذ الحكم الذي يحكم بين المسلمين إذا اختلفوا في فهم نص من نصوصِ الشرعِ هم السلف وعلى رأسهم الصحابة - رضي الله عنهم -، فماذا يقول الصحابة في هذه المسألة؟:
أبو هريرة - رضي الله عنه: ورد أنَّ أبا هريرة - رضي الله عنه - خرج إلى الطور فلما بلغ ذلك بصرة بن أبي بصرة الغفاري قال له حين أقبل: «لو أدركتك قبل أن تخرج ما خرجت، سمعت الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: …» فذكر الحديث (2) .
(1) البخاري (رَقم: 1189) ومسلم (رَقم: 827) ].
(2) أخْرَجَهُ: النسائي (رَقم: 1430) ومالك (رَقم: 243) ] وصححه الألباني.