وقبل أن نذكر هذه اللمحات؛ يجدر أن تعرف المراد بكلمة المولد النبوي، فما هو المولد؟.
فنقول: ‹ المولد في عُرفِ اللغة هو: المكان أو الزمان الذي وُلِدَ فيه الشَّخص.
ومولد النبي - صلى الله عليه وسلم - المكاني هو مكة، ومولده الزماني هو يوم الإثنين الثَّاني (1) عشر من شهر ربيع الأَوَّل من عام الفيل على الأشهر، هذا هو المراد من كلمة المولد النبوي في العرف اللغوي › (2)
(1) على خلافٍ، وسيأتي بإذن الله - عز وجل - .
(2) أما تعيين مكان ولادته - صلى الله عليه وسلم - يَقينًا فليس بمعلوم، وذلك لاختلافِ العلماءِ والمؤرخين في تعيين مكان ولادته - صلى الله عليه وسلم -، ولعدم وجود أدلة صَحيحة تحدد موضعًا لذلك، وما اشتهر من أنه في شعب بني هاشم (شعب علي) قرب سوق الليل - وقد بني أخيرًا في هذا الموضع مكتبة مكة المكرمة - فمحلّ شكّ لدى كثير من العلماء، وقد تطرق الرّحالة العياشي إلى تحقيق مكان المولد وساق اختلاف العلماء وناقش ذلك، وختم ذلك بقوله مستبعدًا صِحّة تحديد مكانٍ (والولادة وَقعت في زمن الجاهلية وليس هناك من يعتني بحفظ الأمكنة سيما مع عدم تعلق غرض لهم بذلك، وبعد مجيء الإسلام فقد علم من حال الصّحابة وتابعيهم - رضي الله عنهم - ضَعف اعتنائهم بالتقييد بالأماكن التي لم يتعلق بها عمل شرعي؛ لصرفهم اعتناءهم - رضي الله عنهم - لما هو أهم من حِفظ الشريعة والذبّ عنها بالسّنان واللسان) ا (.
ويقول المؤرخ المعاصر المشهور حمد الجاسر: (وهذا الاختلاف في الموضع الذي وُلد فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - يُحمل على القول بأن الجزم بأنه الموضع المعروف عند عامة النّاس باسم(المولد) لا يَقوم على أساسٍ تاريخي صَحيح) ا (. ولا شك أن اختلاف العلماء والمؤرخين في تحديد موضع الولادة دليل على عدم اهتمام الصحابة - رضي الله عنهم -؛ لعدم تعلقه بحكم شرعي، وإلا لنقل اتفاقهم على مكان معيّن معروف كما تعرف أماكن مشاعر الحج مَثلًا. [بِتَصرفٍ واختصار من(التبرك) للشيخ الجديع (ص 355 - 357) فراجعه لترى هذا البحث القيم] .
يقول الشيخ صالح الفوزان [البيان لأَخطاء الكتّاب (ص 231 - 232) ] حفظه الله: (هل عيّن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذا المكان لأمّته؟! هل اعتنى الصّحابة والتّابعون ومَن بعدهم من القرون المفضَّلة وأئمة الإسلام المعتبرون بِتعيين هذا المكان؟! وماذا يرجع على الأُمة من تعيينه؟!. لو كان في ذلك ما يعود على الأمة بخير ما تركه - صلى الله عليه وسلم - ولا صَحابته - رضي الله عنهم -، بل إن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يهتم بشأن بيته الذي كان يسكنه في مكة قبل الهجرة، ولما سُئل - صلى الله عليه وسلم - لما قدم مكة بِقولهم له: أتنزل في دارك؟ فقال - صلى الله عليه وسلم: (وهل ترك لنا عقيل مِن رِباع أو دور؟!(. فالرسول - صلى الله عليه وسلم - ما كان يهتم بالأمكنة التي سَكنها وعاش فيها؛ فَضلًا بأن يهتم بالمكان الذي وُلِدَ فيه، ولم يكن صَحابته - رضي الله عنهم - يَفعلون ذلك؛ لأَنَّ ذلك يُفضي إلى أن نتخذ الأمكنة متعبّدات ومعتقدات فاسدة. إن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد البعثة لم يهتم بشأن غار حراء الذي ابتدأ نزول الوحي عليه فيه؛ لأَنَّ الله لم يأمره بذلك. ولما رأى عمر - رضي الله عنه - الناس يذهبون إلى الشَّجرة التي وَقَعت تحتها بيعة الرضوان قَطَعَها مخافة الفتنة.
ولهذا لا نجد في كتاب الله - عز وجل - ولا سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - إشارة إلى البقعة التي ولد فيها - صلى الله عليه وسلم -؛ لأَنه لا فائدة من ذلك وليس في الاعتناء بذلك دلالة على محبته - صلى الله عليه وسلم -، وإنما علامة محبته - صلى الله عليه وسلم - اتباعه والعمل بسنته وترك ما نهى عنه)ا (.
وقد ردَّ العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله - عز وجل - على مجموعة من الكُتَّاب الذين طالبوا الصُّحف بإحياء الآثار النبوية كطريق الهجرة ومكان خيمة أم معبد ونحو ذلك من الأَمكنة التي نزل بها الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وَوَضَّح فضيلته: أنَّ ذلك يجر إلى تعظيمها أو الدعاء عندها أو الصّلاة ونحو ذلك، وهذا من الوسائل المفضية إلى الشرك [مجموعة فتاواه ومقالاته رحمه الله (3/ 334) ] .
وبهذا يظهر: أن الأمكنة التي صلَّى فيها - صلى الله عليه وسلم - اتفاقًا كأن يكون في سَفر أو نحوه، ولم يقصد تخصيصها بالصلاة فيها، فإنه لا يُشرع تتبعها والتقرب إلى الله - عز وجل - بالصَّلاة فيها؛ لأَنها لم تكن مقصودة لذاتها.
وإذا كان مواضع الصَّلاة هذه لا يُشرع تتبعها فكذلك الأمكنة التي ارتبطت بحوادث نبويّة معيّنة، وذلك من بابِ أولى كالغار الذي نزل فيه الوحي وكالغار الذي اختفى فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر - رضي الله عنه -، وكموقعة بدر، ومكان شجرة بيعة الرضوان ونحوهم [رَ (التبرك المشروع والتبرك الممنوع) للعلياني (ص 61 - 72) ] .
(وأما المولد الزماني للنبي - صلى الله عليه وسلم: فكذلك حَصل الاختلاف فيه بين السلف الصالح في تعيين تاريخ ليلة ولادته - صلى الله عليه وسلم - ولقد وصل الخلاف في تعيين تلك الليلة إلى سبعة أقوال أشهرها أنها ليلة ثنتي عشرة، ثم ليلة ثَمان من شهر ربيع الأول، بعد أن اتفقوا على أن الولادة كانت يوم الأثنين، واتفق الجمهور منهم على أن ذلك في شهر ربيع الأول [رَ: البداية والنهاية لابن كثير(2/ 260) لطائف المعارف لابن رجب (95) المواهب اللدنية للقسطلاني (1/ 139 - 145) التبرك للجديع (ص 363) ] . وهذا إن دلَّ على شيء فإنما يدل على عدم احتفال السلف الصالح بالمولد النبوي بها وتعظيمها، ولو كان يُشرع فيها شيء من العبادات - افتراضًا وجدلًا - لعيّنها الصحابة واهتموا بها ولكانت معلومة مشهورة.
يقول الشيخ حمود التويجري [الرد القوي (ص 83) ] : (العبادات مبناها على التوقيف والاتباع لا على الرأي والابتداع، فما عظمه الله ورسوله من زمان أو مكان فإنه يستحق التعظيم ومالا فلا. والله - عز وجل - قد أمر عباده أن يتخذوا مقام إبراهيم مُصلّى ولم يأمرهم أن يتخذوا يوم مولد النبي - صلى الله عليه وسلم - عيدًا أو يبتدعوا فيه بدعًا لم يؤمروا بها. وتعظيم الأمكنة المرتبطة ببعض الأنبياء من أعظم الوسائل إلى الشرك، ولو كان تعظيم الأمكنة المرتبطة ببعض الأنبياء جائزًا لما قطع عمر - رضي الله عنه - الشجرة التي بويع عندها كما تقدم. [رَ: تفضيل ليلة المولد على ليلة القدر الرد عليه(صَفْحَة: 128 - 129) ] .