فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 304

وبعد هذا الفضل العظيم من المولى- جل وعلا- استمر الصحابة يَقْرءُون ويُقْرِئون من بعدهم بما تلقوا مما تيسر لهم، فلما اتسعت الفتوح وتفرق المسلمون في الأمصار اشتد الخلاف بينهم حتى إذا كانت سنة خمس وعشرين من الهجرة اجتمع أهل الشام وأهل العراق في غزوة أرمينية وأذربيجان واستمع بعضهم لبعض وهم يتلون القرآن، وكان أهل الشام يَقْرءُون بقراءة أبيّ بن كعب- رضي الله عنه- وجند الشام يَقْرءُون بقراءة ابن مسعود - رضي الله عنه - فاختلفوا وتنازعوا حتى كاد يُكَفِّر بعضهم بعضا، وكان فيهم حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه- فركب إلى عثمان -رضي الله عنه- وقال له: أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا اختلاف اليهود والنصارى فقام عثمان -رضي الله عنه- بكتابة المصاحف دون نقط ولا شكل، ورد كثيرا من القراءات التي لم تَثْبُت تواترا [1] .

وكانت هذه هي الخطوة الأولى لحماية القرآن الكريم في عهد عثمان؛ ولكن الخلاف مازال موجودا لأن الرسم ما زال يحتمل قراءات كثيرة؛ فرسم خطي لكلمة (صرب) يحتمل صورا متعددة مثل: ضَرَب، وضُرِب، وضَرْب، وصِرتُ، وصِرتَ، و ... إلخ، ولأن المعول عليه في الرد والقبول هو علم السند والرواية [2] ؛ عكف العلماء على تمحيص القراءات وإخراج ما ليس منها، وأثمرت جهودهم تلك عن تصنيف القراءات بحسب السند وتواتره، ومن أبرز من صنّف القراء والقراءات ابنُ مجاهد صاحب كتاب"السبعة"الذي ذاع صيته؛ حيث اختار سبعة من القراء، ووثق قراءتهم في كتابه؛ ثم

(1) فتح الباري شرح صحيح البخاري ... ابن حجر عني بإخراجها: الشيخ عبد العزيز بن باز دار السلام الرياض ... 9/ 24:22 - الاختلاف بين القراءات أحمد البيلي دار الجيل بيروت 64:63

(2) الأصول ... د. تمام حسن دار الثقافة 1411 هـ ... 23

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت