فهرس الكتاب

الصفحة 449 من 589

الناظر في أقوال اللغويين يجد أنهم اختلفوا في أصل مادة رهقا وما تعود إليه، وقد ورد عن السلف في تفسير الرهق أربعة أقوال (إثمًا، جراءة، طغيانًا، فرقًا) ،ولا منافاة بين هذه الأقوال والمعنى اللغوي كما سيتبين ذلك.

فتفسير الرهق بالإثم كما ورد عن ابن عباس وقتادة فهذا فيه إثبات لمعنى (التغطية والمشقة) لأن الإثم فيه مشقة وهو قد علاهم.

و من فسر رهقا بالجرأة كما ورد عن إبراهيم النخعي، فالجرأة فيها نوع من المشقة، وكذلك نوع من التغطية.

والإثم والجرأة بينهما نوع من التلازم كأنه لما تجروا عليهم ألقوا عليهم الإثم، ولهذا ربط الطبري بين القولين فقال:"فزاد الإنس بالجن باستعاذتهم بعزيزهم جراءة عليهم، وازدادوا بذلك إثما" [1] .

وقول مجاهد طغيانًا فهو قريب من معنى الإثم.

ومن فسر الرهق بمعنى الفرق وهو قول الربيع بن أنس، وابن زيد وعكرمة، وهو الخوف، فالخوف فيه نوع من المشقة، فإذا كان خائفًا يكون قد غشاه وغطاه الخوف.

إذًا يكون فيه نوع من التقارب بين معنى التغطية والمشقة والكلفة.

فظهر بهذا أن لا تعارض بين هذه الأقوال من جهة، وبين معنى الرهق في اللغة من جهة أخرى.

والطبري قد رجح من هذه المعاني معنى الإثم فقال:"وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: فزاد الإنس الجنّ بفعلهم ذلك إثما، وذلك زادوهم به استحلالا لمحارم الله" [2] .

واختيار الطبري هذا هو أحد معاني الرهق وليس كل الرهق.

(1) تفسير الطبري (23/ 326) .

(2) تفسير الطبري (23/ 326) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت