فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 589

المبحث الثاني:

اختلاف التنوع عند التابعين:

اتسعت دائرة الاختلاف في عصر التابعين عما كانت عليه في عصر الصحابة - رضي الله عنهم -، وهكذا كلما تقدم الزمان كَثُرَ الاختلاف، وقد أشار إلى هذا ابن تيمية فقال:"كان النزاعُ بين الصحابة - رضي الله عنهم - في تفسير القرآن قليلا جِدًّا، وهو وإن كان في التابعين أكثر منه في الصحابة فهو قليلٌ بالنسبة إلى من بعدهم، وكُلَّما كان العصرُ أشرف كان الاجتماع ُ والائتلاف ُ والعلمُ والبيان ُ فيه أكثر" [1] .

ويظهر هذا بجلاءٍ إذا قُورِنَ المَرْوِيُّ عن التابعين في التفسير بالمروي عن الصحابة - رضي الله عنهم -"فمن خلال تفسير الطبري مثلًا بَلَغت الروايات الواردة في التفسير عن الصحابة - رضي الله عنهم - ما يُقارِبُ تسعة آلاف أثر، وبلغت الروايات عن التابعين إلى ما يربو عن واحدٍ وعشرين ألف قول" [2] .

أي أن المروي عن التابعين في التفسير ضعفا المروي عن الصحابة.

وقد أشار الطوفي إلى اتساع الخلاف في عصر التابعين فقال:"... اختلافُ أقوال المفسرين في الحرف الواحد أو الآية الوحدة على عشرة أقوالٍ وأكثر وأقل، بعضها يرُدُّ بعضًا أو يُضادُّه أويُناقِضُهُ، وأقلُّ ما فيه أن تختلفَ تلك الأقوال أو بعضها بالعموم والخصوص."

وسبب ذلك: أنَّ ما أَخَذَهُ بعضُ الصحابة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من التفسير تَنَاقَلُوهُ فيما بينهم على حسب الإمكان، ولعل بعضهم ماتَ ولم ينقل ما عنده منه لمبادرة الموت له، ثم تَفرَّقَ الصحابةُ - رضي الله عنهم - بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم - في البلاد، ونقلوا ما عَلِمُوه من التفسير إلى تابعيهم، وليس كل صحابي عَلِمَ تفسير جميع القرآن بل بعضه، فألقى الصحابيُ ذلك البعضَ إلى تابِعِهِ، ولعلَّ ذلك التابعيَّ لم يجتمع بصحابي آخر يُكْمِلُ له التفسير، أو اجتمع بمن لا زيادة عنده

(1) مقدمة في أصول التفسير (ص 37) ،وينظر: هذا المعنى في: فضل علم السلف على علم الخلف لابن رجب (ص 26) .

(2) تفسير التابعين، د. محمد الخضيري (2/ 920) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت