على ما عنده عن الصحابي الذي أخذ عنه فاقتصر عليه، وشَرَعَ يُكمِلُ تفسير القرآن باجتهاده؛ استنباطًا من اللغة تارةً، ومن السُّنَّةِ تارةً ثانيةً، ومن نظير الآية المطلوب تفسيرها من القرآن تارةً ثالثةً، ومن مداركَ أُخَر رآها صالحة لأخذ التفسير منها: كالتاريخ، وأيام الأمم الخالية، والقضايا الإسرائيلية ونحوها، حتى آل الأمرُ إلى الأقوال الكثيرة، فَتَفْعَلُ كلُّ طبقة من المفسرين كفِعْلِ التي قبلها من زيادة الوجوه والأقوال والاختيارات؛ كما نراهم يُصَرِّحُون به في تفاسيرهم، وينْسِبون الأقوالَ إلى آرائهم، ومذاهبهم ... ثم تَلَقَّى ذلك عنهم التابعون رحمهم الله فمن بعدهم فكثُرَ الخلافُ جدًا" [1] ."
وقد كان للتابعين من الفهم وسلامة المقصد مالهم، كل هذا جعل من جاء بعدهم يرجع إلى أقوالهم في التفسير، ويعتمدها. إلا أنه في عصرهم ازدادت الحاجة للتفسير؛ لأن ما نقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في التفسير كان قليلًا بحسب الحاجة-كما تقرر سابقًا-،وكذلك ما نقل عن الصحابة، ودخول العجمة على الألسنة، بسبب كثرة الفتوحات الإسلامية، ولهذه الأسباب أعمل التابعون - رضي الله عنهم - عقولهم في فهم القرآن، واجتهدوا في فهمه اجتهادا مبنيًا على علم. وكانوا فيه على تفاوت، فمنهم المكثر ومنهم دون ذلك، لذا فقد يكون لهم في فهم الآية أكثر من معنى، وهذه المعاني وإن كانت مختلفة إلا أنها ليست متضادة. ومما يدل في وقوع الاختلاف بينهم:
ما أخرجه الطبري من طريق يعقوب بن عبد الرحمن الزهريّ [2] ، قال: سألت زيد بن أسلم [3] ، عن قوله تعالى (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ) (سورة
(1) الإكسير في علم التفسير للطوفي (ص:36) .
(2) يعقوب بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عَبْدٍ القارئ المدني حليف بني زُهرة سكن الإسكندرية وثقه ابن معين وابن حبان وغيرهما، توفي سنة (181 هـ) .ينظر: تهذيب الكمال (32/ 348 - 350) .
(3) زيد بن أسلم العدوي مولاهم أبو أسامة المدني الفقيه. ثقة من أهل الفقه والعلم وكان عالمًا بتفسير القرآن وله تفسير يرويه عنه ولده عبد الرحمن، توفي سنة 136 هـ. ينظر: تذكرة الحفاظ (1/ 99) ،تهذيب التهذيب (3/ 341) .