الفصل الثاني:
نشأة اختلاف التنوع.
لقد كانت مهمة النبي - صلى الله عليه وسلم - بيان القرآن ويدل لذلك قوله تعالى (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ? ? ?) (النحل:44) .ولما كانت السنة وحيًا من الله (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) (النجم:4) لَزِمنا أن نرجع إلى تفسيره - صلى الله عليه وسلم -؛فهو أعلم الخلق بمراد الله تعالى بكلامه.
لكنه - صلى الله عليه وسلم - لم يفسر كل لفظة في القرآن [1] ،ومما يدل على ذلك قول الزهري في تفسير قوله تعالى (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ) (المائدة:106) قال:"لم نسمع في هذه الآية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا عن أئمة"
(1) هذه المسألة التي يعبر عنها بعض المعاصرين بـ: هل فسر النبي - صلى الله عليه وسلم - القرآن كله، أم فسر بعضه؟ اختلف العلماء فيها: فمنهم من ذهب إلى القول: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - بيّن كل معاني القرآن كما بين لهم ألفاظه ومن هؤلاء شيخ الاسلام وقد طرق هذا الموضوع في أكثر من موضع. راجع الفتاوى (5: 153 - 163) .وكذا تلميذه ابن القيم، راجع والصواعق المرسلة (2/ 636 - 639) .
ومنهم من ذهب إلى القول بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يبين لأصحابه إلا القليل وهو ما تدعو الحاجة إليه. ومن هؤلاء السيوطي، راجع الاتقان (2/ 539) ،وقد استدل كل فريق بأدلة تؤيد ما ذهب إليه، انظر التفسير والمفسرون للدكتور محمد حسين الذهبي (1: 38 - 42) .وقد ناقش هذه المسألة وكلام ابن تيمية من أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فسر القرآن كله وأجاب على ذلك د. مساعد الطيار في شرحه للمقدمةص 88 - 101.
والذي عليه أكثر العلماء ما نص عليه الشوكاني قال:"غير أن الذي صح عنه-النبي - صلى الله عليه وسلم - من ذلك إنما هو تفسير آيات قليلة بالنسبة إلى جميع القرآن، ولا يختلف في مثل ذلك من أئمة هذا الشأن اثنان"فتح القدير (1/ 12) .
وأما ما نُسب إلى شيخ الإسلام ففيه نظر؛ لأنه ذكر في مقدمة التفسير طرق تفسير القرآن، وذكر منها طريقي الصحابة والتابعين.