الفصل الأول:
الاختلاف في التفسير معناه وأنواعه
المبحث الأول:
المراد بالاختلاف في التفسير
لقد أنزل الله القرآن بلسان عربي مبين، ودعا الناس إلى تدبر آياته وفقه معانيه، فقال تعالى (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو چ) (ص:29) .ولا شك أن العلماء هم أولى الناس بتدبر القرآن والتفكر في معانيه، لاسيما السابقين منهم من الصحابة والتابعين وتابعيهم، وقد قاموا بهذه المهمة خيرَ قيام.
ولمّا كان سبحانه قد فاوت بين عقول الناس وأفهامهم، كان من الطبيعي أن تختلف أفهامهم حول بعض آيات القرآن، وأن تتفاوت آراؤهم حول بعض معانيه، ولا إشكال في هذا ولا حرج طالما كان طلب الحقِّ هو الغاية، والوصول للصواب هو المراد.
يقول ابن القيم [1] "وقوعُ الاختلاف بين الناس أمرٌ ضروري لا بد منه، لتفاوت إرادتهم وأفهامهم وقُوى إدراكهم، ولكن المذموم بَغْيُ بعضهم على بعض وعدوانه، وإلا فإذا كان الاختلافُ على وجهٍ لا يؤدي إلى التباينِ والتحزبِ، وكُلٌّ من المختلفين قصده طاعة الله ورسوله لم يضر ذلك الاختلاف، فإنه أمرٌ لا بد منه في النشأة الإنسانية، ولكن إذا كان الأصلُ واحدًا، والغايةُ المطلوبةُ واحدةً، والطريقُ المسلوكةُ واحدةً، لم يَكَدْ يقع اختلاف، وإن وقع كان اختلافًا لا يضر كاختلاف الصحابة، فإن الأصل الذي بَنَوْا عليه واحدٌ، وهو"
(1) محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي الحنبلي المعروف بابن قيم الجوزية. اشتغل بالعلم وكان كثير الطلب ليلا ونهارا، وبرع في علوم متعددة لا سيما التفسير والحديث والأصلين، وكان عارفا بالخلاف ومذاهب السلف. ينظر: البداية والنهاية، لابن كثير (14/ 234) ،الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، لابن حجر العسقلاني، ت: محمد عبد المعيد (5/ 137) .