ومن حكمته سبحانه أن جعل عقوبة الزنا تمر بمراحل تشريعية متدرجة [1] : حيث كانت عقوبة الزنا في صدر الإسلام هي الحبس في البيوت، والإيذاء بالتعيير أو الضرب، لقوله تعالى {وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا * وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا} [2] ، ثم نسخت هذه الآية [3] ، وشددت عقوبة الزنا بعد ذلك، فصارت الجلد والرجم، لقوله تعالى {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ} [4] .
وقد نوع سبحانه العقوبة بحسب حال الجاني المعاقب، بكرا كان أم ثيبا، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «خُذُوا عَنِّي خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا: الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ.» [5] . ومن هنا، فعقوبة الرجم لها خصائص ثلاثة [6] هي: تغليظ العقوبة فيها إلى درجة القتل رجما، والأمر بعدم الرحمة في إقامة الحد فيها، والتشهير بأن يكون الحد بحضور الناس. قال الله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ
(1) عبد القادر عودة، التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي، (بيروت: دار الكتاب العربي) ، 2/ 376.
(2) سورة النساء، الآية: 15 - 16.
(3) القاسم بن سلام، أبو عُبيد القاسم بن سلاّم بن عبد الله الهروي البغدادي، الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز وما فيه من الفرائض والسنن، تحقيق: محمد بن صالح المديفر، ط 2، (الرياض: مكتبة الرشد، 1418 هـ-1997 م) ، ص 132.
(4) سورة النور، الآية: 2.
(5) صحيح مسلم، كتاب الحدود، باب حد الزنى، 3/ 1316، رقم الحديث 1690.
(6) ابن القيم، محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية، الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي أو الداء والدواء، ط 1،) المغرب: دار المعرفة، 1418 هـ-1997 م (، ص 163 - 164.