المطلب الأول: الاستئذان الزماني، المتعلق بالزمان.
الإنسان يظل في سعي وجهد دائمين، مما يجعله في حاجة إلى أن يخلو بنفسه أو بأهله قصد أخذ قسط من الراحة بين الفينة والأخرى، تجديدا للنشاط واستعدادا لاستئناف العمل من جديد. من هنا جاء حرص القرآن الكريم على تخصيص أوقات حرة من الليل والنهار، يأخذ فيها المسلم حريته، ولا يحق لأحد الدخول عليه فيها إلا من بعد إذنه. قال تعالى {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [1] . فهذه الآية هي"للأهل الذين يسكنون في دار واحدة، وهم مختلطون يدخل بعضهم بيوت البيتوتة من غير حرج أو استئذان. فالآية تعلم الناس أدب الاختلاط، سواء أكانوا ذوي أرحام، أم لم يكونوا" [2] ، ولذلك عنون لها الزحيلي بقوله"استئذان أفراد الأسرة الواحدة" [3] . وقد اختلف المفسرون رحمهم الله في المعنِّيين بقوله تعالى {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} على قولين: فقيل عُنِيَ بذلك الرجال دون النساء، وقيل بل عني به الرجال والنساء. ورجح الإمام الطبري رحمه الله تعالى القول الثاني [4] .
(1) سورة النور، الآية: 58.
(2) محمد أبو زهرة، محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة، زهرة التفاسير، دار الفكر العربي، 10/ 5225 - 5226.
(3) وهبة الزحيلي، أ. د. وهبة بن مصطفى الزحيلي، التفسير الوسيط للزحيلي، ط 1،) دمشق: دار الفكر، 1422 هـ (، 2/ 1769.
(4) الطبري أبو جعفر، محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن = تفسير الطبري، تحقيق: أحمد محمد شاكر، ط 1، مؤسسة الرسالة - 1420 هـ - 2000 م، 19/ 211.