فأمر تعالى باستئذان {الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} يعني: العبيد والإماء، {وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ} من الأحرار، وذلك {ثَلَاثَ مَرَّاتٍ} أي: في ثلاثة أوقات هي {مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ} أي وقت القيلولة، {وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ} .
والسر في تخصيص هذه الأوقات دون غيرها"لأنها ساعات الخلوة ووضع الثياب، فربما يبدو من الإنسان ما لا يحب أن يراه أحد" [1] ، سواء من جسمه أو من تصرفاته وهيئاته. وقد سمى سبحانه كل واحد من هذه الأوقات عورة فقال {ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ} ،"لأن الإنسان يختل تستره فيها، والعورة: الخلل، ومنه سمى الأعور لاختلال عينه." [2] . أما خارجَ هذه الأوقات الثلاثة فقال ربنا الكريم {لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ} أي:"ليسوا كغيرهم، فإنهم يحتاج إليهم دائما، فيشق الاستئذان منهم في كل وقت، ولهذا قال: {طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ} أي: يترددون عليكم في قضاء أشغالكم وحوائجكم." [3]
وبعد هذا البيان الرباني لأوقات الاستئذان الثلاثة الخاصة بالعبيد كلهم وبالأحرار القاصرين، قال سبحانه {وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [4] ، ومعنى
(1) البغوي أبو محمد، محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي، معالم التنزيل في تفسير القرآن = تفسير البغوي، تحقيق: محمد عبد الله النمر وعثمان جمعة ضميرية وسليمان مسلم الحرش، ط 4، دار طيبة للنشر والتوزيع، 1417 هـ - 1997 م، 6/ 60.
(2) ابن عجيبة، أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي، البحر المديد في تفسير القرآن المجيد، تحقيق: أحمد عبد الله القرشي رسلان،) القاهرة: الدكتور حسن عباس زكي، 1419 هـ (، 4/ 64.
(3) السعدي، مصدر سابق، ص 574.
(4) سورة النور، الآية: 59.