والمنطق العقلي يحكم بأنه إن كانت مثل تلك المعجزات والدلائل تدل قطعا ويقينا عند العقلاء على ثبوت نبوة موسى وعيسى أو غيرهما من الأنبياء، فهي من باب أولى تدل قطعا على اليقين في التصديق بنبوة محمد خاتم الأنبياء، لقرب عهده الزمني وبُعد عهدهم، وتواتر الأخبار عنه وبقاء ما جاء به حتى الآن متلوًا على أسماعهم، وعجزهم عن الاحتفاظ بالألواح المشهودة التي كتبت بيد ربهم، وتناقض كلامهم في كيفية كتابة توراتهم وأناجيلهم، وانقطاع السند المتصل بنقل العدل الضابط عن مثله في أخبارهم، فإن كانت الأخبار التي تواترت عن معجزات محمد - صلى الله عليه وسلم - غير كافية عند البعض، فالأخبار التي تواترت عن معجزات الأنبياء السابقين لا تصلح دليلا من باب أولى.
والحقيقة التي لا مرية فيها هي الإيمان بنبوتهم جميعا، لاسيما أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - جاء بتصديقهم جميعا، وبين أمورهم وأحوالهم وموقفهم مع أقوامهم بصورة أدق وأجمل وأفضل مما تبقى في كتبهم حتى الآن، وهذا يظهر بمجرد مقارنة النصوص في القسم الثاني التطبيقي من كتابنا شتان.
ويصعب على أحد من الناس، أو قُل: يصعب على كل الناس مجتمعين في عصرنا أو غيره من العصور أن يأتوا بعبارة واحدة من حيث قوة البلاغة وجمال التركيب والصياغة توازي قوة العبارة التي نقلها محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم - عن ربه في بيان معجزات عيسى - عليه السلام -.