وقد كان نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - مأمونا قبل الإسلام، وكانوا يسمونه الصادق الأمين، وكان أيضا حسن الملاطفة، لا يأتي شيئا من الذي ينكر في الجاهلية، فكان موثوقا عندهم بكلامه، لا يقول إلا الصدق، ولا يتكلم إلا بالصدق، كما شهد له بذلك أعداؤه وأحباؤه على السواء، فمن ذلك:
1-شهادة هرقل ملك الروم: روى البخاري من حديث عَبْد اللهِ بن عَبَّاسٍ أَنَّ أَبَا سُفْيَان بن حَرْبٍ أخبره أَنَّ هِرَقْل أَرْسَل إليه في رَكْبٍ من قُرَيْشٍ وَكَانُوا تِجَارًا بالشام في المُدَّةِ التي كان رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مَادَّ فيها أَبَا سُفْيَانَ وَكُفَّارَ قُرَيْشٍ، فَأَتَوْهُ وَهُمْ بِإِيليَاءَ فَدَعَاهُمْ في مَجْلسِهِ وَحَوْلهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ، ثُمَّ دَعَاهُمْ وَدَعَا بِتَرْجُمَانِهِ فقال: أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا بهذا الرَّجُل الذي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ؟ فقال أبو سُفْيَانَ: فقلت أنا أَقْرَبُهُمْ نَسَبًا، فقال: أَدْنُوهُ مِنِّي وَقَرِّبُوا أَصْحَابَهُ فَاجْعَلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ، ثُمَّ قال لتَرْجُمَانِهِ: قُل لهم إني سَائِلٌ هذا عن هذا الرَّجُل، فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ، فَوَاللهِ لوْلا الحَيَاءُ من أَنْ يَأْثِرُوا عَليَّ كَذِبًا لكَذَبْتُ عنه، ثُمَّ كان أَوَّل ما سَأَلنِي عنه أَنْ قال: كَيْفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ؟ قلت: هو فِينَا ذُو نَسَبٍ. قال: فَهَل قال هذا القَوْل مِنْكُمْ أَحَدٌ قَطُّ قَبْلهُ؟ قلت: لا. قال: فَهَل كان من آبَائِهِ من مَلكٍ؟ قلت: لا. قال: فَأَشْرَافُ الناس يَتَّبِعُونَهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ فقلت: بَل ضُعَفَاؤُهُمْ. قال: أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ قلت: بَل يَزِيدُونَ. قال: فَهَل يَرْتَدُّ أَحَدٌ منهم سَخْطَةً لدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُل فيه؟ قلت: لا. قال: فَهَل كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالكَذِبِ قبل أَنْ يَقُول ما قال؟ قلت: لا.