4-شهادة النجاشي ملك الحبشة: وكان نصرانيا عالما بكتب الأنبياء السابقين وصفتهم، فلما جاءه المهاجرون ونزلوا بالحبشة هربا من أذى قريش وأقاموا عنده أحضرهم وسمع ما قالوه في صفة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وقرءوا عليه بعضا من القرآن فبكى وخشع وآمن، وأقسم بأن ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - هو الحق، وأخبر أن مقالته في عيسى - عليه السلام - هي المقالة الصحيحة، وأنه لم يتجاوز ما هو عليه مثقال هذه - وأشار إلى عود كان بيده ينكب به - مما يدل على أنه صدقه وصحح رسالته. فعرف ذلك مع أنه ما رأى النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما سمع ما جاء به، وسمع القرآن الذي أنزل عليه، وسمع بعض صفاته، فاستدل بها على صدقه وصحة رسالته، وآمن به، وكان يُهدي إليه ويكاتبه، كل ذلك دليل على أنه قام معه وأنه صدقه، وصلى عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاة الغائب لما سمع بموته، وذلك كله دليل على أنه كان من المصدقين بهذا الرسول - صلى الله عليه وسلم - . لقد عرف ذلك مع أنه ما رآه، ولو رآه لازداد يقينا بصحة ما جاء به وبصدقه. فهذا دليل على أن الصادق يعرف الناس صدقه بأدنى ما يسمعون من خبره .
ولما اطلع النجاشي ملك الحبشة على مثل هذه المقارنة نطق بكلمة الحق، ولم يمنعه ملكه أو كبرياؤه أن يشهد شهادة حق لما قارن بين النصوص التي نقلها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شخص ضعيف لجأ إليه، وأجرى الله الحق على يديه، وبين ما يعتقده من خلال قراءته للكتاب المقدس. لم تمنعه عزة الملك والمكابرة أن يقول: والله إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة.