الصفحة 37 من 129

انظر معي أخي المستمع إلى هذا الرجل الذي عاد إلى أهله, فوجد أبويه نائِميْن, والصبية يبكون من شدة الجوع .. وإنها للحظة حرج شديد يتنازع هذا الرجل فيها بر الوالدين والرأفة بالأولاد.

ماذا يصنع؟ هل يوقظ والديه فيزعجهما؟

هل يسقي الأولاد الذين لا يَقْوون على احتمال الجوع؟

إنه آثر الوقوف لأجل أن يستيقظ أبواه في أية لحظة فيقدمَ لهما غبوقَهما, فما استيقظا إلا بعد أن بزغ الفجر فاستيقظا فشربا غبوقهما

وانظر إليه وهو يدعو الله تعالى (إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك) فلابد إذًا من إخلاص يحرك هذا البارَّ بوالديه فيدعو الله تعالى ويتوسلُ إليه بما فعل من صالح العمل فيفرج الله كربه ومن معه .. ألا ما أجملَ البِرَّ يزينه الإخلاص لله تعالى.

ومن صور البر في تراثنا ما ذُكر عن علي بن الحسين حين قيل له: أنت من أبرّ الناس ولا نراك تؤاكل أمّك. قال: أخاف أن تسير يدى إلى ما قد سبقت عينهُا إليه فأكون قد عققتُها [1] .

وقيل لعمر بن ذر كيف كان برُّ ابنك بك؟ قال: ما مَشَيتُ نهارًا قط إلا مشى خلفى، ولا ليلًا إلا مشى أمامى، ولا يرقى لى سطحًا وأنا تحتَه [2] .

وقال المأمون: لم أر أحدًا أبرّ من الفضل بن يحيى بأبيه، بلغ من برِّه به أن (يحيى) كان لا يتوضأ إلا بماءٍ مسخَّن وهما في السجن، فمنعهما السجّان من إدخال الحطب في ليلة باردة، فقام الفضلُ حين

(1) عيون الأخبار 3/ 97

(2) عيون الأخبار 3/ 97

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت