فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 74

رابعًا: يمكن مناقشة استدلال الحنفية بما يلي:

قوله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ) لا يستقيم الاستدلال به على وجوب الخمس في المعدن، وذلك لما يلي من الأوجه:

الأول: أن المعدن لا يصدق عليه أنه من الغنيمة؛ لأن الغنيمة هي: ما أخذ من الكفار عنوة والحرب قائمة [1] ، أما وإن الحرب قد وضعت أوزارها منذ أمد طويل فإن هذا لا يصدق عليه وصف الغنيمة.

الوجه الثاني: أنه لو سلم للحنفية أن ما وجد في أرض الكفار إنما هو من الغنيمة، فإن من المعادن ما يوجد في مصرٍ مصره وأنشأه المسلمون، وهذه لا يصدق عليه أنه كان في أيدي الكفار، فلا يجوز إعطاء ما وجد فيها من أموال أحكام أموال الكفار.

قوله صلى الله عليه وسلم:"... والمعدِن جُبار، وفي الركاز الخُمُسً"لا يصح أن يكون دليلًا للحنفية، بل الأقرب أن يكون دليلًا عليهم، ووجه ذلك: أن لفظ النبي صلى الله عليه وسلم عطف المعدن على الركاز ومعلوم أن العطف يقتضي التغاير [2] .

فإن قيل: إنه يتحدث عن حكم من بحث عن المعدن فهلك في البحث عنه، فقال عنه: إنه جبار، ثم ذكر حكم من عثر على الركاز عطفًا على المعدن ليشعر أن المعدن من جنس الركاز وأن لله فيه حق، فذكر لفظًا آخر يعمهما، وهو الركاز فذكر أن فيه الخمس [3] .

فالجواب: أن القول أن المعدن يدخل في الركاز أو أن الركاز مشتركًا معنويًا يتناول المعدن، إنما هو احتجاج في محل النزاع، ومثل هذا لا يصح التعويل عليه في مقام الترجيح. وعليه فيعود الجواب عن هذا الإشكال إلى الجواب عن الاستدلال بآية

(1) بهذا عرفها الحنفية.

انظر: الحصكفي، محمد بن علي، (ت 1088 هـ) الدر المختار شرح تنوير الأبصار، ط 2، (1966 م) ، المكتبة التجارية، مكة المكرمة. 4/ 137.

وبهذا المعنى عرفه المالكية والشافعية والحنابلة.

مذهب المالكية: المواق، محمد بن يوسف العبدري، (ت 897 هـ) ، التاج والإكليل لمختصر خليل، دار الفكر، بيروت، ط 2، 1394 هـ. 3/ 366.

مذهب الشافعية: الخطيب الشربيني، محمد بن أحمد، (ت 977 هـ) ، الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع، دار الفكر بيروت، 1415 هـ. 2/ 562.

مذهب الحنابلة: ابن مفلح، إبراهيم بن محمد بن عبد الله، (ت 884 هـ) ، المبدع في شرح المقنع، المكتب الإسلامي، بيروت، 1400 هـ 3/ 354.

(2) القرطبي، محمد بن محمد الأنصاري، (ت 671 هـ) ، الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان، المعروف بتفسير القرطبي، دار الشعب، القاهرة 3/ 322.

(3) ابن الهمام، شرح فتح القدير، 2/ 234.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت