وعند الشافعية: ومعهم الثوري, وهو ما روي عن جابر بن عبد الله, وابن عباس: أنه يشترط القبض في كل شيء, ولو كان مما لا ينقل [1] .
وعند الإمام أحمد, وأبي ثور: أنه يشترط القبض؛ لبيع الطعام المكيل, والموزون [2] .
ولأبي عبيد, وإسحاق: اشتراط القبض في المكيل والموزون, فكل شيء لا يكال ولا يوزن, فلا بأس ببيعه قبل قبضه.
ولابن حبيب, وعبد العزيز بن أبي سلمة, وربيعة: يشترط القبض في المكيل, والموزون, والمعدود [3] .
وخلاصة ما تقدم: أن الإجماع منعقد على منع بيع الطعام قبل قبضه إلا ما حكي عن عثمان البتي, وهو خلاف شاذ متروك.
وما علة النهي؟
قيل: منع هذا تعبدًا ـ أي: لا يعلل المنع ـ, وقيل: معلل بأن غرض الشارع الوصول إلى الطعام؛ ليتوصل القوي والضعيف, ولو جاز بيعه قبل قبضه؛ لربما أخفي بإمكان شرائه من مالكه, وبيعه خفية, فلا يتوصل إليه الفقير؛ ولأجل نفع الكيَّال, والحمَّال، وصاحب الدَّابة [4] .
وما الحكم لو كان أحدهما طعامًا من بيع, والآخر طعامًا من قرض من حيث صحة الحوالة, وعدم صحتها؟
وصورة هذا التساؤل: أن يكون للمحال عند المحيل 100 مائة أردب من قمح من سلم، ويكون للمحيل عند المحال عليه 100 مائة أردب قمح سلف ـ قرض ـ، فما الحكم لو أحال المحيل المحال على المحال عليه بها؟
اختلف فيها فقهاء المالكية على النحو التالي:
الرأي الأول, وبه قال جميع أصحاب الإمام مالك: تجوز الحوالة في هذه الصورة بشرط أن يحل المحال به فقط، وهذا هو ما حكاه ابن حبيب عن الإمام مالك, وأصحابه إلا ابن القاسم.
الرأي الثاني, وبه قال ابن القاسم: إنه لابد من حلول المحال عليه أيضًا.
الرأي الثالث, وهو لابن رشد: أن هذا ممنوع مطلقًا, أي: سواء كان المحال به, والمحال عليه كلًا منهما من بيع أو أحدهما من بيع, والآخر من قرض.
اعتراض على الرأي الأول: اعتراض ابن عاشر على قول الأصحاب, فقال: علة المنع السابقة, وهي: النهي عن بيع طعام المعاوضة قبل قبضه موجودة هنا حتى لو كان المحال به حالًا, فما وجه الجواز؟
(1) فتح الوهاب 1/ 301 شرح منهاج الطالبين حاشيتي قليوبي وعميرة 2/ 337338.
(2) هداية الراغب ص 327. كشاف القناع 3/ 241.
(3) تهذيب الفروق 3/ 286 فرق 198.
(4) حاشية العدوي كفاية الطالب 2/ 118. حاشية الدسوقي الشرح الكبير 4/ 534. محمد المدني بوساق/ المسائل التي بناها الإمام مالك على عمل أهل المدينة 2/ 722723. أحكام بيع الدين والتطبيقات المعاصرة قضايا فقهية معاصرة 4/ 42.