ووجه هذا: أن الحوالة من قبيل المعروف, والدَّين لازم للمشتري حين الحوالة، وكأن العيب ابتداء بيع، ولتعلق الحق بشخص ثالث, وهو الذي انتقل إليه الثمن المحال، فلم يبطل حقه بفسخ المتعاقدين كما لو تصرف البائع في الثمن ثم ردَّ المشتري ما اشتراه بعيب, فإن تصرفه لا يبطل.
القول الثاني: وهو ما اختاره ابن المواز, وهو قول أشهب, وعليه أكثر الفقهاء: أن الحوالة تنفسخ, وهذا هو المعتمد عند المالكية, وهذا هو الطريق الأول من طرق ثلاثة عند الشافعية, وهو أظهر القولين في الطريق الثالث، وهذا هو ما ذهب إليه الحنابلة, فيما عدا فسخ العقد بأي وجه كان, وهذا هو القدر المتفق عليه فيما بينهم [1] .
وحجة هؤلاء فيما ذهبوا إليه: أنه لما رُدَّ المبيع بالمعيب أو الفساد انفسخ البيع, فصار كأن لم يكن إذن فلا ثمن في هذه الحالة على المشتري، والحوالة فرع عن البيع, فإذا بطل الأصل بطل الفرع المترتب عليه.
الفرع الثاني
فيما إذا أحال المشتري بثمن سلعة اشتراها البائع على شخص مدين للمشتري ثم ردَّ المشتري
المبيع بعيب ونحوه، فهل تبطل الحوالة؟
اختلف في هذه المسألة على النحو التالي:
الرأي الأول: فيما إذا أحال المشتري لسلعة ما بثمنها الذي عليه البائع على مدين للمشتري ثم حصل رد للمبيع بعيب أو فساد أو حصل استحقاق أو تقايل, وكان ذلك قبل قبض المحال ـ البائع ـ الثمن من المحال عليه, فإن الحوالة تبطل في هذه الحالة قطعًا.
وقال بذلك المالكية في الراجح عندهم, والشافعية في الأظهر عندهم, والقاضي عند الحنابلة [2] .
(1) هناك بعض التفصيلات عند بعض هذه المذاهب يحسن بنا ذكرها:
المالكية: يرون أن محل الخلاف بين القولين عندهم، حيث كان البائع يظن أنه يملك ما باعه في حالة، الاستحقاق، وأما لو باع ما يعلم أنه لا يملكه مثل أن يبيع سلعة لرجل، ثم يبيعها لآخر ويحيل عليه بالثمن فلا خلاف في أن الحوالة باطلة، ويرجع المحال على المحيل مواهب الجليل 7/ 29.ومحله أيضا في الرد بالفساد إذا لم يعلم به المشتري وإلا لو علم المشتري بالفساد لم تبطل اتفاقا. وهل يدفع المحال عليه للمحال الثمن الذي اشترى به شراء فاسدا أو يدفع له القيمة؟ قولان في هذا الأول لابن القاسم أنه يدفع له الثمن، والثاني لأشهب أنه يدفع له القيمة. حاشية الدسوقي 4/ 535 شرح الخرشي 6/ 300 مواهب الجليل 7/ 29.
الحنابلة: قالوا أنه ببطلان البيع تبينا أن لا ثمن على المشتري والحوالة فرع على لزوم وسلامة الثمن. أما إذا فسخ العقد وكان البائع قد أحال شخصا دائنا له على المشتري بالثمن بأي وجه كما باتفاقهما كالتقايل أو باختيار أحدهما كالفسخ بخيار أو عيب فإن الحوالة لا تبطل وغن لم يقبض الثمن؛ لأن عقد البيع لم يرتفع فلم يسقط الثمن فلم تبطل الحوالة لانتفاء المبطل، وحينئذ للمشتري الرجوع على البائع فيهما؛ لأنه رد المعوض فاستحق الرجوع بالعوض والرجوع في عينه متعذر للزوم الحوالة فوجب في بدله وإذا لزم البدل وجب على البائع، لأنه هو الذي انتفع بمبدله.
قال في المقنع: ويحتمل أن تبطل إن لم يكن قبضها وحكاه في المحرر والفروع قولا وقدمه في الكافي معونة أول النهى 4/ 430 الشرح الكبير متن المقنع 5/ 6364. المغني لابن قدامة 5/ 6162. الروض المربع بحاشية النجدي كشاف القناع الممتع شرح المقنع 3/ 270271.
(2) شرح الخرشي 6/ 300، حاشية الدسوقي 4/ 534.