وحجة هؤلاء فيما ذهبوا إليه:
أن البيع بانفساخه هكذا بطل حق البائع ـ المحال ـ وارتفع الثمن, أي: لا وجود له؛ لأن الحوالة بالثمن, وقد سقط بالفسخ, فوجب أن تبطل الحوالة؛ لذهاب حق البائع ـ المحال ـ، من المال المحال به.
ويترتب على هذا الرأي الآتي:
1)يعود المشتري إلى ذمة المحال عليه, ويبرأ البائع, فلا يبقى له دين, ولا عليه؛ لأن الحوالة بالثمن, وقد سقط بالفسخ, فوجب أن تبطل الحوالة؛ لذهاب حقه من المحال به [1] .
2)لا يجوز للبائع ـ المحال ـ مطالبة المحال عليه بدين المشتري؛ لأن الحوالة بنيت على الثمن، فإذا فسخ البيع بأحد الأمور التي ذكرها أصحاب هذا الرأي, ونحوها خرج المحال به ـ الثمن ـ عن أن يكون ثمنًا, وإذا خرج عن أن يكون ثمنًا, ولم يتعلق به حق لغيرهما وجب أن تبطل الحوالة.
3)يجب على البائع ـ المحال ـ أن يرد ما قبضه من المحال عليه المشتري أو بدله إن تلف ما قبضه؛ لإذنه في قبضه، فإن لم يكن قبضه امتنع عليه قبضه [2] .
الرأي الثاني: أن الحوالة في الحالة المذكورة لا تبطل، وقد جزم بهذا الخرشي من المالكية, وأبو علي الطبري من الشافعية, وقال أبو الخطاب من الحنابلة في أحد الوجهين عندهم [3] .
وحجة هؤلاء فيما ذهبوا إليه:
1)أن العبرة بحال الحوالة، فحال إجراء عقد الحوالة, أي: وقتها الذي تمت فيه كان الثمن لازمًا للبائع, والمشتري, وهذا هو المستفاد من كلامهم, ومن تعبيرهم بـ «ثم» , أي: ثم حصل الرد بعيب, ونحوه.
2)ولأن المشتري عوَّض البائع عما في ذمته ماله في ذمة المحال عليه, ونقله حقه إليه نقلًا صحيحًا, وبريء من الثمن المحال عليه من دين المشتري, فلم يبطل ذلك بفسخ العقد الأول، وهذا قياسًا على ما لو أعطاه بالثمن ثوبًا, وسلَّمه إليه ثم فسخ العقد لم يرجع بالثوب, فكذلك الأمر في مسألتنا.
3)ثم إن عقد الحوالة لم يرتفع هنا, فالثمن لم يسقط, فلم تبطل الحوالة؛ لانتفاء المبطل.
4)ولأن المشتري دفع إلى البائع بدل ماله في ذمته, وعاوضه عنه بما في ذمة المحال عليه.
ويترتب على هذا الرأي:
إن من حق المشتري الرجوع على البائع؛ لأنه لما ردَّ المعوض ـ المبيع بالعيب, ونحوه ـ استحق الرجوع بالعوض ـ الثمن -لكن الرجوع بعينه- أي: ذاته -متعذر؛ للزوم الحوالة، فوجب الرجوع في بدله، وإذا لزم البدل وجب على البائع؛ لأنه هو الذي انتفع بمبدله [4] .
(1) معونة أولي النهى 4/ 430.
(2) حاشية قليوبي 2/ 513.
(3) شرح الخرشي 6/ 300. والمهذب 2/ 145. مغنى المحتاج 3/ 194. روضة الطالبين 5/ 522. المغني لابن قدامة 5/ 6263. معونة أولي النهى 4/ 430. كشاف القناع 3/ 388389.
(4) الممتع شرح المقنع 3/ 271272.