فهرس الكتاب

الصفحة 121 من 232

خَلَقَ )) - سورة الفلق: 2 - ،و (( ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ) )- سورة غافر: 62 - .

علما بأن الشر لم يُضف إلى الله تعالى في (( الكتاب و السنة إلا على أحد و جوه ثلاثة: إما بطريق العموم كقوله: (( الله خالق كل شيء ) )- سورة الزمر: 62 - و أما بطريقة إضافته إلى السبب كقوله: (( من شر ما خلق ) )- سورة الفلق: 2 - .و وإما أن يحذف فاعله كقول الجن: (( و إنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا ) ) [1] - سورة الجن: 10 - .

و مع أن الشر من مخلوقات الله تعالى، فهو لا يُنسب إليه مباشرة كصفة نقص و ظلم، و إنما هو يندرج في حكمته تعالى و عدله و رحمته. لذا -و الله أعلم- كان رسول الله-صلى الله عليه وسلم- يقول في دعاء الاستفتاح: (( لبيك و سعديك، و الخير كله في يديك، و الشر ليس إليك ) ) [2] . فلم يقل: الشر ليس من مخلوقاتك، و إنما قال: ليس إليك، فالفارق في المعنى كبير بين القولين.

و ثالثا إن الشر في الأرض نوعان: نوع تسبب الإنسان في وجوده بسبب ظلمه و حروبه. و نوع خلقه الله تعالى ليُؤدي وظيفة حددها له وفق حكمته وعدله و رحمته، فيبتلي به عباده، و يُربيهم به، و يُجازي به الضالين و الظالمين و المجرمين، قال تعالى: (( وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ) )-سورة الأنبياء: 35 - .و بما أن الشر من مخلوقات فإنه خلقه لأداء وظيفة مُحددة له بحكمة و إتقان، و ليس صادرا بالضرورة و اللزوم كما زعم ابن رشد.

و أما زعمه بأن جعل الشر من الممكنات، بمعنى أنه من مخلوقات الله تعالى، يلزم تجوير الله بالضرورة، بمعنى أنه ظالم لعباده. فهذا زعم باطل، لأن القول بأن الله خالق كل شيء لا يلزم وصفه بأنه ظالم، لأنه سبحانه فعال لما يريد، و عادل حكيم لا يظلم أحدا، خلق الشر و وضعه في مكانه المناسب بالحق و العدل و الحكمة بلا جور و لا ظلم.

و زعمه بأن الشر ليس من الأفعال الممكنة لله تعالى، هو رد للشرع، و وصف لله بالنقص و العجز، و قول على الله بلا علم، و مناقض لما وصف الله به نفسه بأنه خالق كل شيء، و فعال لما يريد، و على كل شيء قدير، له الأسماء الحسنى و الصفات العُلى.

و يُستنتج مما ذكرناه أن ابن رشد -في موقفه من قضية الخير و الشر- لم يتخل عن طريقته التأويلية الباطنية، و عن ازدواجيته في الخطاب، ففي كتابه الكشف عن مناهج الأدلة ذكر رأيا و وجهه للجمهور، و في كتابه تلخيص ما بعد الطبيعة ذكر رأيا مخالفا للأول هو رأيه الحقيقي من تلك القضية

(1) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، ج 8 ص: 511.

(2) مسلم: الصحيح، الحديث رقم: 771، ج 1 ص: 534.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت