فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 232

تلك الشواهد -التي ذكرناها- هي نماذج من تناقضات ابن رشد في موقفه من التأويل حسب فهمه و تطبيقه له. فما هي أسباب وقوعه في ذلك؟. إن السبب الأساسي و العميق فيما وقع فيه ابن رشد، هو منطلقه الفكري المتمثل في الفلسفة الأرسطية المشائية، فهي مصدره المعرفي و مرجعيته الفكرية، فما وافقها قَبِله و ما خالفها أوّله، أو أغفله و أهمله، و هذا أمر مارسه ابن رشد في موقفه من الشريعة [1] . مما يعني أن تناقضاته مُتعمدة في الغالب الأعم، و إن كان بعضها قد يقع فيه خطأ و نسيانا.

خامسا: هل قال ابن رشد بالحقيقتين؟:

اُشتهر عن ابن رشد أنه يقول بالحقيقتين في موقفه من الشريعة و الفلسفة، و تضاربت مواقف الباحثين في تأيد ذلك و نفيه عن ابن رشد. فما هي تفاصيل موقفه من المسألة؟، و هل قال بتعدد الحقيقة أم لا؟.

توجد شواهد من أقوال ابن رشد تدل على أنه قال بتعدد الحقيقة، و له شواهد أخرى تدل على قوله بالحقيقة الواحدة. فمن الشواهد التي تدل على قوله بالحقيقتين، أنه قرر أن الشريعة حق، و الفلسفة حق، و الحق لا يُضاد الحق، و هما متوافقتان متطابقتان، و كل يُتمم الآخر، و هما مصطحبتان بالطبع متحابتان بالجوهر و الغريزة، و لا مخالفة بينهما. و نص أيضا على الشرائع كلها حق، و إن تفاضلت فيما بينها، و على الفيلسوف أن يختار أفضلها [2] .

فهذه الشواهد تُبين أن ابن رشد كان يرى أن كلا من الشريعة و الفلسفة منفصل عن الآخر و مستقل عنه، و له ذاتيته و خصوصيته من جهة. و أن كلا منهما حق و متطابق و متوافق مع الآخر من جهة ثانية. و حتى الشرائع -على اختلافاتها و تناقضاتها- هي عنده كلها حق، و إن تفاضلت فيما بينها، فهي على تعددها كلها حق!. و هذا كله يستلزم القول بتعدد الحقيقة بالضرورة.

و أما الشواهد التي تدل على أن ابن رشد يقول بالحقيقة الواحدة، فهي مبثوثة في مؤلفاته، و كررها مرارا في مواضع كثيرة من مصنفاته. فمن ذلك أنه كان يعتقد أن الفلسفة الأرسطية هي الحق المطلق، و نظرها صحيح فوق نظر جميع الناس، حتى اعتقد فيها العصمة [3] . و كان يرى ضرورة تأويل ظواهر الشرع المتعارضة-حسب زعمه- للتتفق مع الفلسفة الأرسطية، الأمر الذي يعني أن الحقيقة واحدة متمثلة في هذه الفلسفة، فما وافقها فهو حق، و ما خالفها فهو باطل، و ما عارضها من الشرع يجب تأويله ليتفق معها، لأن هذه الفلسفة هي مرجع الحق و مصدره و معياره عند ابن رشد.

(1) بالنسبة للتأويل فقد مارسه ابن رشد كثيرا، و قد ذكرنا نماذج منه. أما فيما يخص ممارسته للإغفال و الإهمال في تعامله مع الشرع فسنذكر نماذج منها في الفصل الثالث إن شاء الله تعالى.

(2) ف المقال، ص: 96، 125. و الكشف عن مناهج الأدلة، ص: 135، 154 , و تهافت التهافت، ص: 182، 373.

(3) سنتوسع في ذلك في الفصل الخامس إن شاء الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت