فهرس الكتاب

الصفحة 133 من 232

للأجرام السماوية، منها العقل الفعال الذي هو مُحرك فلك ما تحت القمر و المُسيّر له تحريكا و إيجادا. و له اتصال بالعقل و النفس البشريتين، فعندما يُفارقان البدن-بعد الموت- يلتحقان بالعقل الفعال لتكوين النفس الكلية الأزلية الواحدة [1] . و ثانيهما هو أن المؤلف نفسه ذكر قبل قوله السابق أن (( العقل الفعال هو غير هيولاني، أي بحسب طبيعته غير مُتصل بالبدن إلا بالعرض، و انه مُفارق للبدن ) ) [2] .

ثالثا: نقد موقف ابن رشد من طبيعيات أرسطو:

كان ابن رشد الحفيد شديد المبالغة في تعظيم فلسفة أرسطو بإلهياتها و طبيعياتها و منطقها، له فيها ثقة لا حدود لها، و يزعم أنها برهانية يقينية، و أن صاحبها أرسطو كَمُل الحق عنده، و أنه جاء بحق عظيم، و برهانه هو الحق المُبين [3] . فهل مزاعمه هذه صحيحة؟.

كلا إنها ليست صحيحة، لأن فلسفة أرسطو كما أن فيها كثيرا من الصواب، فهي أيضا مملوءة بالأخطاء و الخرافات و الشناعات و الظنون و الأهواء. و في مبحثنا هذا سنبين ذلك جليا، من خلال انتقادنا لابن رشد في موقفه من طبيعيات أرسطو التي أوردها-أي ابن رشد- في مؤلفاته. و سنذكر من ذلك شواهد كثيرة ضمن أربع مجموعات متنوعة.

الأولى تتعلق بمادة العناصر المُكوّنة للعالم و ثبات أجسامه و وزنها، و تتضمن أربعة شواهد: أولها مفاده أن ابن رشد ذكر أنه تبيّن لديه و لدي غيره من الفلاسفة أن الأجرام السماوية غير متكوّنة من مادة الموجودات الأرضية الفاسدة، و إنما تتكون من عنصر خامس بسيط يُعرف بالأثير، و هو أزلي لا يفسد [4] .

و قوله هذا لا يصح شرعا و لا عقلا، فأما شرعا فإن الشرع الحكيم نصّ على أن العالم كله مخلوق و ليس أزليا، خلقه الله تعالى من مادة واحدة، لقوله تعالى: (( أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ ) )- سورة الأنبياء: 30 - . و أما علما فقد بينت الدراسات العلمية الحديثة، أن عنصر الأثير المزعوم لا وجود له أصلا، و أن العالم كله مُكوّن من خامة واحدة عناصرها مُتشابهة. و تبين أيضا أن العناصر الكيميائية المكونة لمادة النجوم الملتهبة هي بعينها المكونة لجسم الأرض، مع اختلاف نسبة وجودها. من ذلك أن ثلثي العناصر المكوّنة للأرض هي من مكوّنات الشمس أيضا [5] .

(1) سبق توثيق ذلك.

(2) أحمد عبد المهيمن: المرجع السابق، ص: 191.

(3) ابن رشد: تهافت التهافت، ص: 70، 71، 220.و فرج أنطون: ابن رشد و فلسفته، ط 2، المؤسسة الوطنية للاتصال، الجزائر، 2001، ص: 88. و الجابري: ابن رشد، ص: 170، 179، 180.

(4) ابن رشد: تهافت التهافت، ص: 161. و الآثار العلوية، ص: 15. و الكشف، مقدمة المحقق ن ص: 78. و علي أبو ريان: تاريخ الفكر الفلسفي، 203.

(5) عبد الحميد سماحة: في أعماق الفضاء، ص: 48، 84، 65، 66. و روبرت أغروس، و جورج ستانسيو: العلم في منظوره الجديد، ص: 128. و محمود فهمي زيدان: من نظريات العلم إلى المواقف الفلسفية، ص: 34. و الموسوعة العربية الميسرة، ج 2 ص: 1095.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت