إلى هذا الغموض لخطورة التصريح بمثل هذه الفكرة في بيئة سيطر عليها التعصب الديني من جانب علماء الكلام )) [1] .
و أقول: أولا إن ابن رشد ثابت و معروف عنه أنه في كتبه العامة الموجهة للجمهور لا يُفصح عن آرائه المخالفة للشرع بطريقة واضحة لا لُبس فيها، لكنه كثيرا ما يُلمّح فيها إلى آرائه بطريقته التأويلية التحريفية. لكنه يُعلن صراحة عن آرائه الأرسطية المخالفة للشرع في مؤلفاته الفلسفية الخاصة، فقال بأزلية العالم، و ألوهية العقول المفارقة، و نفى صفة العلم و غيرها من الصفات، و هذا أمر سبق تبيانه و توثيقه. و أما مسألة العقل الفعال فهي نفسها تندرج فيما قلناه، و قد ذكر ابن رشد صراحة بأن ذلك العقل الفعال هو من العقول المفارقة - الأزلية- المحركة للأجرام السماوية، و ليس لها تعلق بالهيولى أصلا - و هي المادة الأرضية-، و هو مُحرك فلك القمر، و المُساهم في إيجاد الحيوانات المتناسلة على وجه الأرض [2] .و قوله هذا موافق لما ذكره الشيخ ابن تيمية من أن أهل المنطق - و هم المشاؤون كابن رشد- يقولون: إن العقل الفعال من العقول العشرة، و هو مُبدع كل ما تحت فلك القمر [3] .
و ثانيا إن قولها بأن تعصب المتكلمين قد يكون هو الذي حال دون ابن رشد من التصريح بموقفه الحقيقي من العقل الفعال، فهو قول ضعيف و ليس هو السبب الرئيسي، لأن ابن رشد هو الذي تبنى ذلك المنهج في عرض أفكاره، فكان يُخفي كثيرا من أفكاره الأرسطية في كتبه العامة، و يُظهرها في مؤلفاته الفلسفية. فلو كان واقعا تحت المنع و التعصب المُبالغ فيهما ما استطاع التصريح بأفكاره أصلا، في كتبه العامة و لا الخاصة. لأن مؤلفاته الخاصة هي في النهاية تخرج إلى أهل العلم، و سيطلعون عليها، و لا يُمكنه إخفاؤها.
و أما ما قالته عن تعصب علماء الكلام على ابن رشد، فالأمر كان من الجانبين، و ليس من جانب واحد فقط، فابن رشد كان شديد التعصب و الغلو في الأرسطية من جهة [4] ، و شديد النقد لمخالفيه من المتكلمين من الأشاعرة و غيرهم في كتابه فصل المقال، و الكشف، و التهافت. فالتعصب كان من الطرفين، و كل منها تعصب على الآخر.
و أما ما ذهب إليه الباحث أحمد عبد المهيمن من أن ابن رشد لم يكن يرى أن العقل الفعال يُوجد خارج النفس، و إنما هو عين العقل المادي [5] . فهو رأي لا يصح لأمرين، أولهما إن ابن رشد -كغيره من المشائين- قالوا صراحة بأن العقل الفعال من العقول المفارقة الأزلية الخالدة المحركة
(1) زيينب الخضيري. المرجع السابق، ص: 336.
(2) ابن رشد: تلخيص ما بعد الطبيعة، ص: 142، 154. و تلخيص الحس و المحسوس، ص: 81.
(3) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، ج 9 صك 104. و الرد على المنطقيين، ص: 102.
(4) سنفصل في ذلك في الفصل الخامس إن شاء الله تعالى.
(5) أحمد عبد المهيمن: نظرية المعرفة عند ابن رشد و ابن عربي، دار قباء، القاهرة، 200، ص: 191.