و أما تغليطه للقراء فيتمثل في قوله: إن فلسفة أرسطو كان يُعتقد أنها علمية في ذلك الزمان. فهذا قول لا يصح على إطلاقه، و إنما يصح على الفلاسفة المشائين و أتباعهم، و لا يصدق على كل أهل العلم، فقد كان الطبيب جالينوس يُخالف أرسطو في مسائل طبيه كثيرة [1] .و كان معظم علماء الشريعة يرفضون الفلسفة الأرسطية، و لم يعتقدوا أنها علمية برهانية، و كيف يعتقدون فيها ذلك، و هي تخالف دين الإسلام في معظم أصولها و فروعها؟!.و يُعد الشيخان ابن تيمية و ابن قيم الجوزية، من أكثر علماء الشريعة انتقادا و رفضا لتلك الفلسفة، خاصة ابن تيمية الذي كتب أبحاثا كثيرة في انتقاد تلك الفلسفة في إلهياتها و منطقها. فمقولة الجابري غير علمية، و ليست صحيحة، و غير مقبولة على إطلاقها.
بالغ ابن رشد- في موقفه من المنطق الصوري- مبالغة كبيرة جدا، حتى بلغ حد الغلو فيه تعظيما و انتصارا، الأمر جعله محل انتقاداتنا الشديدة له. فمن ذلك أنه يعتقد أن صناعة البرهان-أي المنطق الصوري- من لم يتعلمها فلا برهان حقيقي له، بل هي البرهان بعينه، و هي أحرى بالتعلم من سائر الصنائع. و الأقاويل البرهانية لا تتأتى إلا بتلك الصناعة التي هي المنطق الصوري [3] . لذا فهو يُطالب أن تبدأ عملية التعليم بدراسة هذا المنطق أولا، ثم الحساب، ثم الهندسة، ثم الفلك، ثم الموسيقى، ثم علم البصريات ... ثم يأتي العلم الطبيعي، و أخيرا علم ما بعد الطبيعة. و يرى أنه من الضروري أن نبدأ تعليم الحكام المنطق أولا [4] .
و بناء على ذلك فإنه يزعم أنه لا حقيقة دون صناعة البرهان التي هي آلة للاعتبار واجبة لمعرفة الله تعالى، فتعلمها شرط لمعرفته سبحانه و تعالى. و زعم أن الفلاسفة هم الذين علمونا القوانين المنطقية، لذا يجب شكرهم عليها لأنها ذات قيمة كبيرة، جعلت قياس صاحب المنطق يقينيا لاستخدامه لها. و جعلت قياس الفقيه ظنيا لافتقاره لها [5] .
تلك بعض مزاعمه في تعصبه و غلوه في المنطق الصوري، و ردا عليه أقول: أولا ليس لابن رشد أي مبرر شرعي و لا عقلي و لا علمي فيما قاله عن ذلك المنطق، إلا التعصب لمذهبيته الأرسطية أولا، و قلة معرفته بطرق الاسدلال العلمي ثانيا. و الأدلة القاطعة و الدامغة على بطلان تلك المزاعم كثيرة جدا، شرعا و عقلا، علما و تاريخا، نذكر بعضها فيما يأتي تباعا إن شاء الله تعالى.
(1) منها دور الدماغ و مصدر الإحساس، و قد سيق توثيقه، و أشار ابن رشد إلى مخالفة جالينوس لأرسطو في مسائل الطب في كتابه رسائل ابن رشد الطبية.
(2) هو منطق استنباطي يدرس صوّر الفكر و الاستدلال السليم، و يُعرف أيضا بالمنطق الصوري، لأن أرسطو أول من ألف فيه باعتباره علما مستقلا. و صوّره الاستدلالية هي: القياس ذو المقدمتين و النتيجة، مثل: كل الناس فانون، و سقراط إنسان، فسقراط فان. و هذا المنطق لا يصلح للعلوم الطبيعية، التي استخدم لها الاستقراء. الموسوعة العربية الميسرة، ج 2 ص: 1755.
(3) ابن رشد: تهافت التهافت، ص: 278.
(4) ابن رشد: تلخيص السياسة لأفلاطون، ترجمة حسن مجيد العبيديو فاطمة كاظم الذهبي، ط 1، دار الطليعة، بيروت، 1998، ص: 168.
(5) ابن رشد: فصل المقال، ص: 87، 89، 91، 98. و تهافت التهافت، ص: 235، 278.