فهرس الكتاب

الصفحة 120 من 232

هؤلاء اختاروا الكفر اختيارا أو ورثوه عن أجدادهم، و كان في مقدورهم التخلص منه و اعتناق دين الإسلام لو أرادوا ذلك.

و يُستنتج مما ذكرناه أن ابن رشد أخطأ فيما ذهب إليه بسب انحرافه منهجه الفكري الذي أقامه على دعوى باطلة، مفادها أن نُصوص الشرع متعارضة في موضوع الهداية و الضلال يجب تأويلها بما يُوجبه العقل. و هذا انحراف خطير أوقعه في ذلك الخطأ الشنيع، و قد تتبعنا زعمه و ناقشناه فيه و بينا بطلانه شرعا و عقلا و واقعا.

رابعا: نقد موقف ابن رشد من وجود الشر في العالم:

اتخذ ابن رشد موقفين من مسألة وجود الشر في العالم، الأول ذكره في كتابه الكشف عن مناهج الأدلة نصّ فيه على أن الله تعالى خالق الخير و الشر معا، على أن يُفهم ذلك بأنه (( خالق للخير لذات الخير، و خالق للشر من أجل الخير ) )، بمعنى (( من أجل ما يقترن به من الخير، فيكون على هذا خلقه عدلا منه ) ) [1] .

و أما موقفه الثاني فذكره في كتابه الفلسفي تلخيص ما بعد الطبيعة، أكد فيه على أن كل ما هو على الأرض من خير محض، فهو عن إرادة من الله و قصد منه. و أما (( الشرور فوجودها لضرورة الهيولى كالفساد و الهرم و غير ذلك ) ). بمعنى أنها ليست من الممكنات بالنسبة إلى الله تعالى، لأن الذين يرون أن (( الأمور كلها ممكنة للإله تعالى. فلذلك يلزمهم ضرورة أن يُجوّروه ) ) [2] .

و أقول: أولا إن ابن رشد ناقض نقسه-كعادته- في موقفه من وجود الشر في الأرض، فمرة قال: إن الله خالق الخير و الشر معا. و مرة استثنى الشر من أن يكون متعلقا بإرادة الله و قصده، و جعله من ضروريات الهيولى، و لم يجعله من الممكنات المتعلقة بإرادة الله و فعله و قصده و اختياره. و هذا تناقض واضح، و موقف مُخالف للشرع، و لا دليل صحيح عليه من العقل، إلا إتباع الظن و القول على الله بلا علم.

و ثانيا إن موقفه الأول من الخير و الشر هو موقف صحيح موافق للشرع ذكره في كتاب عام وجهه لجمهور المسلمين. لكن موقفه الثاني مُخالف للشرع، و قد أورده في كتاب خاص موجه للفلاسفة، و هذه ازدواجية في الخطاب التي تعوّد عليها ابن رشد!!.علما بأن موقفه الثاني تُخالفه النصوص الشرعية صراحة، فقد نصّت على أن الله تعالى هو خالق كل ما في العالم، خلقه بإرادته و قدرته، و أنه تعالى فعال لما يريد، و يفعل ما يشاء و يختار. الأمر الذي يعني أنه لا يصح أبدا الزعم بأن الشر الموجود في العالم صدر بالضرورة، و لا علاقة له بإرادة الله و اختياره. فهذا زعم باطل مُخالف لقوله تعالى: (( َوخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ) )- سورة الفرقان: 2 - ،و (( مِن شَرِّ مَا

(1) ابن رشد: الكشف، ص: 197.

(2) تلخيص ما بعد الطبيعة، ص: 162، 163، 164.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت