رضي الله عنهم-، الذين أخذوا دينهم -هم أيضا- عن رسول الله-عليه الصلاة و السلام-، و الله تعالى قد زكاهم في آيات كثيرة، و أمر بإتباع سبيلهم، كقوله تعالى: (( وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) )- سورة التوبة: 100 - ، و (( وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا ) )- سورة النساء: 115 - . و عليه فإن محالفة ابن رشد لمذهب السلف، هو من مظاهر انحرافه الفكري، و بعده عن المنهج الشرعي و العقلي الصحيح.
و الأمر الرابع يتعلق بانتقادات وجهها شيخ الإسلام ابن تيمية لابن رشد، من المقيد الإطلاع عليها و الانتفاع بها، منها أنه جعله أسوأ حالا من المعتزلة في الصفات، لأنه كان على طريقة إخوانه الفلاسفة الباطنية في نفي الصفات. و موقفه منها ينتهي إلى التعطيل المحض، و إثبات وجود مطلق لا حقيقة له في الخارج غير وجود الممكنات، و هذا نفس الأمر الذي انتهى إليه الاتحاديون القائلون بالحلول و وحدة الوجود. و أما زعمه بأن طريقة إخوانه في نفي الصفات هي الطريقة البرهانية، فالأمر ليس كما زعم، فإن مسلكهم أضعف من مسلك المعتزلة، مع أن كلا من مسلكيهما فاسد. و منهجه لا يُوصل إلا إلى الجهل و الحيرة و الضلال [1] .
و مع انتقاده الشديد له، فقد أنصفه عندما ذكر أن مقولة ابن رشد في الصفات أحسن حالا من أصحاب النفي المحض للصفات، كالجهمية و القرامطة، و منحرفي المتفلسفة كالفارابي و ابن سينا، و جعله من مقتصدة الفلاسفة كأبي البركات البغدادي، ففي قولهما من الإثبات ما هو خير من هؤلاء النفاة، فالمشهور عنهما إثبات الأسماء الحسنى و أحكام الصفات [2] . و قوله: المشهور عنهما، يعني -بالنسبة لابن رشد- ما أظهره في كتبه العامة، و لا يصدق ذلك عليه في كتبه الخاصة، التي صرّح فيها بنفيه للصفات، كصفة الإرادة و الاختيار، و العلم، و لا أدري هل وصلت هذه الكتب-أي الفلسفية- إلى الشيخ ابن تيمية و أطلع عليها أم لا؟، فإني لم أعثر له على ذكر لها في مؤلفاته [3] .
و ختاما لهذا المبحث يتبين منه أن ابن رشد أخطأ في معظم ما قاله عن الصفات الإلهية، كثيرا ما كان فيها متناقضا، و مخالفا للشرع و العقل معا. علما بأن حقيقة موقفه من الصفات هو نفيها باستخدام التأويل التحريفي انطلاقا من خلفيته الأرسطية المشائية، و انتصارا لها.
نُخصص هذا المبحث لنقد ابن رشد في موقفه من خلق العالم و أزليته، فهل العالم أزلي خالد لا بداية له و لا نهاية، أم حادث مخلوق وُجد بع أن لم يكن؟،و ما هو موقفه الحقيقي من هذه المسألة؟، و هل كان صريحا في موقفه منها، أم كان كعادته يلف و يُغالط و يُؤوّل؟. هذه الأسئلة -و غيرها-ستجد إجابتها في مبحثنا هذا، إن شاء الله تعالى.
أولا إنه-أي ابن رشد- ذكر أن القدماء و المتأخرين من الفلاسفة و المتكلمين اتفقوا على القول بحدوث الحيوانات و النباتات و الكائنات الأرضية [4] . و قوله هذا مُجمل و ينطوي عل تغليط، لأن من الفلاسفة من يرى أن ذلك الحدوث يخص الأفراد و ليس الأنواع، بمعنى أن الأفراد حادثة لكن أنواعها أزلية خالدة، فالإنسان كفرد مثلا هو حادث زائل، لكنه كجنس و نوع يرمز للإنسانية المتكاثرة، هي خالدة لا تزول و لا تفسد. و هذا قال به أرسطو، فقد كان يعتقد أن الحيوانات كأنواع أزلية [5] . و حتى ابن رشد قال بذلك عندما ادعى أن عملية التكوّن و الفساد في العالم السفلي أزلية [6] . فكان على ابن رشد أن يُحدد ما يقصده بدقة، و لا يتركه مجملا، لأن القول بحدوث الكائنات الأرضية يحتمل معنيين و لا يحتمل معنى واحدا. فإما أن يُقصد به الحدوث الحقيقي الذي يعنى الوجود من لا شيء، و إما أن يُقصد به الحدوث الذي حكيناه عن أرسطو و ابن رشد.
و الحدوث بمعنى الوجود من عدم لا يُوجد حوله اتفاق بين الفلاسفة المشائين، و بين علماء الشريعة و المتكلمين، لأن أولئك الفلاسفة لم يقولوا بهذا الحدوث، لكن الآخرين معروف عنهم أنهم يقولون بأن العالم كله حادث من عدم، وُجد بعد أن لم يكن، و هذا أمر ذكره ابن رشد نفسه عندما أشار إلى أن الأشعرية تقول: إن طبيعة الممكن -أي المخلوق- مُخترعة وحادثة غير شيء [7] .
و عندما تطرق ابن رشد إلى مسالة خلق العالم و أزليته -في كتابه فصل المقال- لم يتخذ موقفا واضحا منها، و لم يُفصح عن موقفه الحقيقي منها، و تظاهر بموقف وسط بين المتنازعين مع أن باطنه مع القائلين بقدم العالم و أزليته [8] ، فقال: (( فهذا الوجود الآخر الأمر فيه بيّن أنه قد أخذ شبها من الوجود الكائن الحقيقي، و من الوجود القديم. فمن غلب عليه ما فيه شَبَه القديم على ما فيه شبه المحدث سماه قديما. و من غلب عليه ما فيه من شَبَه المحدث سماه محدثا، و هو في الحقيقة ليس
(1) ابن تيمية: درء التعارض، ج 6 ص: 238، 242، ج 10 ص: 229، 230، 282.
(2) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، ج 12 ص: 205، 206.
(3) ذكر فقط كتاب فصل المقال، و الكشف عن مناهج الأدلة، و تهافت التهافت، ذكرها في مجموع الفتاوى، و درء التعارض، و غيرها من مصنفاته.
(4) ابن رشد: فصل المقال، ص: 104.
(5) فؤاد كامل و آخرون: الموسوعة الفلسفية، ص: 46.
(6) زينب عفيفي: فلسفة ابن رشد الطبيعية، ص: 138.
(7) ابن رشد: تهافت التهافت، ص: 259.
(8) سيتأكد ذلك لاحقا.