فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 232

بما أن العالم أزلي بالضرورة، و الله علة غائية له؟!. فلا معنى لوصف الله بالحكمة في خلقه، و العالم ليس من خلقه، فهذا تناقض بيّن!.

و النموذج السادس يتمثل في أن ابن رشد قال: إن الله مُتصف بالإرادة و الاختيار. و قال أيضا: إن العالم أزلي بالضرورة، و أن الله علة غائية له، لا علة فاعلة ولا مُبدعة له. فأية إرادة و اختيار يبقيان له؟!.

و النموذج الأخير يتمثل في أن ابن رشد قال: إن في الشرع مالا تدركه العقول بسبب قصور العقل الإنساني عن إدراكه. و أنه (( لم يقل أحد من الناس في العلوم الإلهية قولا يُعتد به ) ) [1] . لكنه ناقض نفسه عندما قال: إن الفلاسفة هم الراسخون في العلم، الذين خصّهم الله بالذكر في القرآن الكريم، فهم الذين يعلمون تأويله، و هم أهل البرهان و اليقين [2] . و زعم أيضا أن فلسفة أرسطو هي الحق، و أن نظره فوق نظر جميع الناس [3] !!.

و أما الأمر الثاني فمفاده أن ابن رشد - في موقفه من الصفات- وصف الله تعالى بصفات لم ترد في الشرع، و معانيها ناقصة، و لا تليق بالله سبحانه و تعالى. منها أنه وصفه بالمحرك الذي لا يتحرك، و المبدأ الأول، و العقل الأول الذي لا يعقل إلا ذاته [4] . فالله تعالى لم يصف نفسه بأنه عقل، و لا مبدأ أول، و لا محرك، و إنما وصف نفسه بأنه خالق، و بديع، و بارئ، و رزاق، و رحيم، و قدوس، و أول، و آخر ... . و ما قام به ابن رشد هو عمل خطير، يُؤدي تحريف الألفاظ و المعاني الشرعية من جهة، و إبعاد المصطلحات الشرعية و إحلال محلها المصطلحات الأرسطية المشائية من جهة ثانية.

و الأمر الثالث مفاده أن ابن رشد كما خالف الشرع و العقل في موقفه من الصفات الإلهية، فإنه خالف أيضا مذهب السلف في صفات الله تعالى. فقد تبيّن أنه-أي ابن رشد- أوّل الصفات على طريقته التحريفية انطلاقا من خلفيته الأرسطية، و هذا مُخالف لما كان عليه السلف الأول من الصحابة و التابعين و من سار على نهجهم، فإنهم اختلفوا في مسائل الفقه كثيرا، لكنهم لم يختلفوا في النصوص المتعلقة بصفات الله تعالى، مما يعنى أنها كانت بينة لديهم لا لُبس فيها، بينها الشرع بيانا كافيا شافيا، و لم تكن لديهم من المتشابه. و بمعنى آخر أنهم أثبتوا لله تعالى كل الصفات التي أثبتها لنفسه، من دون تأويل و لا تعطيل، و لا تجسيم و لا تشبيه، و إنما هو إثبات و تنزيه، من دون إدراك للكنه و لا للكيفية [5] . و احتجاجنا بمذهب السلف-في انتقادنا لابن رشد- له مبرره الشرعي و العقلي المقنع، لأن السلف الأول أخذوا دينهم -أصولا و فروعا- عن الصحابة الكرام-

(1) تهافت التهافت، ص: 322، 336.

(2) سبق توثيق ذلك في الفصل الأول.

(3) سنتناول هذا الموضوع في الفصل الخامس إن شاء الله تعالى.

(4) ابن رشد: تلخيص ما بعد الطبيعة، ص: 124، 125، 147، 148، 149، 162.

(5) ابن قيم الجوزية: الصواعق المرسلة، ج 1 ص: 209، 210، 213.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت