فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 232

و الأمر الأخير- و هو الثالث- يتعلق بزعم الباحث محمد عابد الجابري بأن التمييز الذي أقامه ابن رشد بين العلماء و الجمهور هو تمييز على مستوى المعرفة فقط، فهو اختلاف في التفاصيل، بمعنى أنه اختلاف في الدرجة لا في النوع [1] . و زعمه هذا لا يصح، و فيه تغليط للقراء، لأن ابن رشد ذكر صراحة أن التأويل الذي انفرد به الفلاسفة أهل البرهان هو تأويل يتعلق بنصوص ظاهرها كفر، و تركها على ذلك كفر، و التصريح بتأويلاتها كفر، و مضمونها كفر أيضا مُخالف لظاهر النصوص. أليس هذا اختلاف أساسي في النوع و ليس في الدرجة؟، و أليس قوله هو حكم بكفر عامة المسلمين في موقفهم من الآيات التي زعم أنها متعارضة و ظاهرها كفر؟. فلو كان التأويل الرشدي -في التمييز بين العلماء و الجمهور- هو مجرد اختلاف في درجة المعرفة، ما قال ابن رشد بصراحة: إن نصوصا من الشرع ظاهرها كفر، و تتضمن كفرا مخالفا لظاهرها، و أمر بإخفائه و من أظهره فهو كافر!!. فهذا دليل قاطع على أن ما قاله الجابري غيري صحيح، أراد منه إخفاء حقيقة التأويل الرشدي، و التلطيف منه، تغليطا و تلبيسا على القراء.

رابعا: من تناقضات ابن رشد في موقفه من التأويل:

تبين لي من تتبع موقف ابن رشد من التأويل و تطبيقه له، و مدى التزامه به في الاحتكام إليه، و النظر إلى مختلف المسائل الشرعية، أنه وقع في مجموعة من المتناقضات، تُبينها الشواهد الآتية: أولها إنه ذم التأويل -حسب مفهومه له- و قال: إن الصحابة لم يعرفوه، و هو بدعة فرّق الأمة و جنى عليها، و يجب الرجوع إلى الكتاب للأخذ منه مباشرة [2] . و كلامه هذا جيد و صحيح، لكنه عاد و نقضه عندما قال: إن التأويل-حسب مفهومه له- واجب، و خاص بأهل البرهان يُؤوّلون به ظواهر الشرع المتعارضة على حد زعمه [3] .

و الشاهد الثاني هو أن ابن رشد زعم أن أهل التأويل الحق هم أهل البرهان، و أن تأويلاتهم حق تدل على الحق [4] . لكنه قال أيضا: إن تأويلات هؤلاء تتضمن شيئا من إبطال الظاهر، و إظهارها يُؤدي إلى كفر الجمهور، و من أظهرها لهم فهو كافر، لأنه أظهر كفرا تضمنته تأويلاتهم [5] . و هذا تناقض صارخ، لأنه لو كان هؤلاء المؤوّلون أهل برهان و تأويلاتهم حق، ما كانت هذه التأويلات مخالفة للشرع، و ظاهرها كفر يجب إخفاؤه!!. فلو كانت حقا لوافقت الشرع، و ما كانت كفرا.

و الشاهد الثالث مفاده أن ابن رشد نصّ صراحة على أن الصفات الإلهية لا يُؤوّل منها ما لم (( يُصرّح الشرع بتأويله [6] . و قوله هذا يتضمن تناقضين، أولهما إنه قرر أمرا يُخالف الشريعة، لأنه لا

(1) ابن رشد: الكشف عن مناهج الأدلة، مقمة المحقق عابد الجابري، ص: 73.

(2) فصل المقال، ص: 124.

(3) سبق توثيق ذلك.

(4) فصل المقال، ص: 124.

(5) سبق توثيق ذلك.

(6) ابن رشد: الكشف، ص: 147.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت