فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 232

يُوجد في الشرع دليل صحيح ينص على شرعية تأويل النصوص كلها و لا بعضها، حسب المفهوم الرشدي للتأويل. و ثانيهما إنه أوّل نصوصا كثيرة ليس له فيها دليل من الشرع على تأويلها، و هو هنا يُعلق التأويل بوجود الدليل الشرعي.

و الشاهد الرابع مفاده أن ابن رشد أمر بالتسليم للشريعة و الخضوع لها، و قال: يجب على كل إنسان أن يُسلّم بمبادئ الشريعة، و يُقلّد فها، لأن مبادئها (( تفوق العقول الإنسانية، قلابد أن يُعترف بها مع جهل أسبابها ) ). و قال أيضا: (( إن الفلسفة تفحص عن كل ما جاء في الشرع، فإن أدركته استوى الإدراكان، و كان ذلك أتم في المعرفة، و إن لم تدركه أُعلمت بقصور العقل الإنساني عنه ) ) [1] و قوله هذا يتطلب منه -أي من ابن رشد-الخضوع التام للشرع، و عدم تقديم فلسفة اليونان عليه. لكنه لم يلتزم بذلك، و ناقضه عندما سمح لأهل البرهان-حسب زعمه- بتأويل حتى مبادئ الشرائع مع عدم التصريح به [2] . و ناقضه أيضا عندما زعم أن في الشرع نصوصا متعارضة و ظاهرها كفر يجب تأويلها للتتفق مع فلسفة اليونان. كما أنه مارس تأويله التحريفي مع نصوص كثيرة، كتأويله للصفات الإلهية، و للآيات المتعلقة بخلق العالم، و المعاد الأخروي، و قوله بالتخيل في موقفه من النبوة [3] . فهذه التأويلات لا تتفق مع ما قرره سابقا، و تنقض عليه زعمه.

و أما الشاهد الخامس فيتمثل في أن ابن رشد ذكر أن أهل التأويل -حسب مفهومه له- لا يتشابه عليهم الشرع، و لا يُثير فيهم شكوكا و لا حيرة [4] . و هذا يتناقض مع موقفه من وجوب التأويل لإزالة التعارض المزعوم بين النصوص. فإذا كان حالهم من العلم و الرسوخ فيه ما قاله عنهم هنا، فأهل التأويل ليسوا في حاجة إلى التأويل أصلا، و لا إلى إخفائه، لأن العلم لا يتشابه عليهم، و لا يُثير فيهم حيرة و لا شكوكا. و بما أنه نص على ضرورة التأويل التحريفي لأهل البرهان المزعومين، فالرجل متناقض مع نفسه.

و الشاهد السادس مفاده أن ابن رشد انتقد المتكلمين في مسلكهم الكلامي، و قال: إنهم اعتقدوا أفكارا في الله تعالى صرفوا فيها كثيرا من ألفاظ الشرع عن ظاهرها إلى تأويلات نزلوها على اعتقاداتهم، و هي جلها أقاويل مُحدثة، و تأويلات مُبتدعة [5] . لكنه ناقض نفسه عندما نسي أو تناسى أنه هو شخصيا أخذ بمبدأ التأويل التحريفي الذي عند المتكلمين، خاصة المعتزلة، فهم أسبق إلى استخدام ذلك التأويل بحكم ظهورهم المبكر في القرن الثاني الهجري. ثم بعد ذلك تابعهم في تأويل الصفات الإلهية، و وافقهم في بعضها كتأويل آية الاستواء، و حديث النزول [6] .

(1) ابن رشد: تهافت التهافت، ص: 322، 337.

(2) نفس المصدر، ص: 337 - 338.

(3) سنوثق ذلك في الفصول الآتية إن شاء الله تعالى.

(4) اكشف، ص: 148.

(5) ابن رشد: فصل المقال، ص: 118. و الكشف، ص: 100.

(6) فصل المقال، ص: 98، 111.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت