و ختاما لهذا الفصل يتبين منه أن ابن رشد الحفيد -في تأويله للشريعة- تبنى تأويلا تحريفيا مخالفا للشرع و اللغة العربية الموافقة له، أخذه من المتكلمين و الفلاسفة الذين سبقوه، و لم يأخذ مفهومه من الشرع و اللغة الموافقة له. فجاء تأويله تأويلا باطنيا مشائيا أدى إلى تحريف معنى النص الظاهر إلى معنى خلاف ظاهره الصحيح، من دون أن يكن له في ذلك دليل صحيح من الشرع و لا من العقل.
و تبين أيضا أن ابن رشد طعن في الشرع عندما زعم أن فيه نصوصا متعارضة ظاهرها كفر يجب تأويله خلاف معناه الظاهر، إلى معنى باطن يجب إخفاؤه عن الجمهور لأنه كفر. و بهذا المفهوم التحريفي تسلط ابن رشد على تلك النصوص التي زعم أنها متعارضة، مخالفا بذلك الشرع و العقل معا، اللذان يشهدان بأنه لا يمكن أن يكون دين الله المحكمة آياته نصوصه متعارضة.
و أتضح أيضا أنه -أي ابن رشد- أظهر القول بتعدد الحقيقة لغاية في نفسه، مكنه من اتخاذ موقف مريح في تعامله مع خُصومه المعارضين له في اشتغاله بالفلسفة اليونانية من جهة. و مكنه من اتخاذ موقف مريح له أيضا في تعامله مع الشرع من جهة أخرى. مع أن موقفه الحقيقي هو القول بالحقيقة الواحدة، القائمة على الفلسفة الأرسطية كمرجع أساسي لفكره و حَكَم عليه، فما وافقها قبله، و ما خالفها رفضه، و إن كان من الشرع و خالفها فيُؤوّله، أو يُغفله و يسكت عنه. و بهذه الطريقة جنى ابن رشد على النقل الصحيح، و العقل الصريح، و العلم الصحيح، و هذا أمر سيتأكد أكثر و بقوة في الفصول الآتية من كتبنا هذا، إن شاء الله تعالى.
الفصل الثاني
نقد موقف ابن رشد في موضوع وجود الله و صفاته و خلقه للعالم
أولا: نقد موقف ابن رشد من الطريقة الشرعية في إثبات وجود الله تعالى.
ثانيا: نقد موقف ابن رشد من صفات الله تعالى.