و إنما لها بواطن يعرفها أصحاب التأويل الباطني العملية، و هم باطنية الصوفية. و النوع الثاني هو التأويل العلمي يُؤوّل ظواهر النصوص المتعلقة بالله تعالى و صفاته و اليوم الآخر، و يدعي أصحابه و منهم ابن رشد، أن لتلك النصوص باطن يُخالف الظاهر [1] .
و أما الثاني فهو الباحث محمد عابد الجابري فإنه ذكر أن مصطلح الظاهر و الباطن عند ابن رشد لا (( علاقة له بمعناهما عند الشيعة و المتصوفة و العرفانيين عموما ) ) [2] . نعم لم يكن ابن رشد من باطنية الشيعة و الصوفية، لكنه كان من باطنية الفلاسفة، و المعنى التأويلي الباطني واحد عند الصوفية و الفلاسفة معا، سواء تعلق بالعلميات أو بالعمليات، و معناه: تأويل المعنى الظاهر من النص إلى معنى آخر باطني مُخالف له. و هذه عملية تحريفية للنص الشرعي، يُمارسها الباطنيون كلهم، من فلاسفة و صوفية، سواء اُعتمد فيها الفكر و العقل، أو العاطفة و القلب، أو جُمع فيها كل ذلك، فالنتيجة واحدة، و هي أنها عملية تحريفية للنص الشرعي. و عليه فإن ابن رشد لا يختلف عن غيره من الباطنيين في استخدامه للتأويل الباطني التحريفي للنصوص الشرعية.
و أما ثالث هؤلاء، فهي الباحثة زينب محمد الخضيري، قالت: إن ابن رشد حاول التوفيق بين الدين و الفلسفة بالاعتماد على التأويل الذي ما هو إلا فرض النظرة العقلية على الدين [3] . و قولها هذا لا يصح، لأن التأويل الرشدي هو تأويل باطني تحريفي يفتقد إلى المعيار الموضوعي الشرعي و اللغوي و العقلي الذي يضبطه و يوجهه يُمحصه، فهو مخالف للشرع و اللغة و العقل. فهذا التأويل لا يصح وصفه بأنه فرض النظرة العقلية للدين، إنه ليس كذلك، إنه تلاعب بالنصوص و تحريف لها، و افتراء على العقل. و أصحابه يصدق عليهم قوله تعالى: (( ِإن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ ) )- سورة النجم / 23 - .
و آخرهم -أي الرابع- هو الباحث محمد عاطف العراقي، قال: إن ابن رشد أوّل الآيات القرآنية على أساس العقل، و تأويله هو اجتهاد في فهم النص [4] . و قوله هذا لا يصح أيضا لأن ابن رشد لم يُقم تأويله على الشرع الحكيم، و لا على العقل الصريح، و إنما أقامه على أساس الفلسفة الأرسطية المشائية الظنية المليئة بالأخطاء و الانحرافات المنهجية [5] . و تأويله هذا حاله و منطلقه لا يصح أن يُوصف بأنه تأويل عقلي اجتهادي في فهم النص. لأن الاجتهاد الصحيح في فهم النص لا يتم بالاعتماد على منهجه المشائي الباطل العقيم، و إنما يتم بإتباع المنهج الشرعي المبني على النقل الصحيح، و العقل الصريح، و العلم الصحيح. و أما اجتهاده المزعوم فهو اجتهاد في تحريف الشرع و إخضاعه للفلسفة الأرسطية المشائية.
(1) ابن تيمية: درء التعارض، ج 6 ص: 237. و بيان تلبيس الجهمية، ج 1 ص: 260، 261.
(2) ابن رشد: فصل المقال، تعليق المحقق عابد الجابري، هامش ص: 99.
(3) زينب الخضيري: أثر ابن رشد في فلسفة العصور الوسطى، ص: 139.
(4) عاطف العراقي: الفيلسوف ابن رشد، ص: 49، 132.
(5) هذا أمر سنتناوله بالتفصيل في الفصول الآتية إن شاء الله تعالى.