و أما الباحث الخامس فهو محمد عابد الجابري، أنكر أن يكون ابن رشد قال بالحقيقتين الدينية للعامة، و الفلسفية للخاصة، و إنما قال بالحقيقة الواحدة، لكن إدراك العلماء لها يختلف عن إدراك الجمهور لها [1] .
و تعليقا عليه أقول: إن ابن رشد أظهر القول بتعدد الحقيقة لغاية في نفسه، سبق ذكرها. و قال أن للعامة ظاهر النص الذي قد يكون كفرا، و أن للخاصة - و هم أهل البرهان و التأويل- الحقيقة الموافقة للبرهان الفلسفي. و هذا أمر صرّح به ابن رشد، و دعا المؤوّلين إلى إخفاء تأويلاتهم للشرع لأنها كفر مُخالف لظاهر النص الذي عليه العامة. و مع هذا فإن ابن رشد أظهر القول أيضا بوحدة الحقيقة المتمثلة في الفلسفة الأرسطية، فما وافقها فهو حق، و ما خالفها فهو باطل، و ما خالفها من الشرع يجب تأويله، أو إغفاله و السكوت عنه [2] .
و أما قوله بأن الاختلاف بين العلماء و الجمهور، هو مجرد اختلاف في الإدراك فهو قول لا يصح، و مُخالف لما صرّح به ابن رشد نفسه عندما نصّ على أن في الشرع نصوصا متعارضة يأخذ به جمهور الناس، و هو كفر يجب تأويله و لا يُصرّح به لهم. فالجمهور على كفر، ويكفرون إذا صُرّح لهم بتأويلات تلك النصوص المتعارضة، و حتى المؤوّلون يكفرون إذا صرّحوا بكفرياتهم للجمهور!!، و هذا أمر صرّح به ابن رشد، و قد سبق إثباته و توثيقه. فهل هذا الاختلاف في درجة الفهم و الإدراك، أم هو اختلاف في النوع و المضمون و الحقيقة؟، لاشك أنه اختلاف في النوع و المعنى و المضمون، مما يعني أن الجمهور عند ابن رشد على كفر وباطل، متمسكون بأمر زائف، خلاف أهل البرهان الفلسفي فهم أهل الحق و اليقين [3] .
و آخرهم - أي السادس- هو الباحث عمر فروخ، ذكر أن ابن رشد قال صراحة بالحقيقتين، و ذلك بأنه تُوجد أمور تصح في الدين و لا تصح في الفلسفة، و أخرى تصح في الفلسفة و لا تصح في الدين. و هو يقبل كل ما جاءت به الفلسفة، و ما جاء به الدين شريطة أن يأخذ بتأويل النصوص الشرعية التي لا تتفق في ظاهرها مع الرأي الفلسفي [4] .
و أقول: إن الصواب في موقف ابن رشد هو أنه أظهر القول بتعدد الحقيقة، و بوحدتها أيضا، و هذا أمر سبق شرحه و تعليله و توثيقه. لكنه لم يقل بوجود حقائق تصح في الدين، و لا تصح في الفلسفة و العكس، و إنما كان يعتقد أن الفلسفة الأرسطية هي الحقيقة و الحَكَم، و ما خالفها فهو باطل، و ما عارضها من الشرع يجب تأويله أو إغفاله و السكون عنه.
(1) محمد عابد الجابري: ابن رشد، سيرة و فكر، ص: 180.
(2) سنذكر أمثلة عن ذلك في الفصل الثالث و الرابع، بحول الله تعالى.
(3) انظر مثلا: فصل المقال، ص: 124.
(4) عمر فروخ: عبقرية العرب في العلم و الفلسفة، بيروت، المكتبة العصرية، ص: 156.