فهرس الكتاب

الصفحة 111 من 232

النص فلا تُؤوّل ذلك التأويل، و إما لا تأخذ به و تُمارس التأويل الباطني التحريفي، فإذا أصرت على الجمع بينهما فهو تناقض ظاهر، يتفق مع طريقة ابن رشد المزدوجة الخطاب ذات الخلفية الأرسطية الباطنية.

و ختاما لهذا المبحث يُستنتج منه أن ابن رشد لم يُعط للسنة النبوية مكانتها اللائقة بها كمصدر أساسي للشريعة الإسلامية بعد القرآن الكريم،.و لم يتوسع في استخدامها في كتبه الكلامية و الفلسفية، ففاتته أحاديث كثيرة ذات علاقة مباشرة بكثير من المواضيع الفكرية التي تطرق إليها. كما أن الأحاديث التي استخدمها في تلك المصنفات كثير منها لم يفهمه فهما صحيحا، و أخضعه للتأويل التحريفي خدمة لفكره و أرسطيته.

ثانيا: نقد موقفه من مذهب أهل الحديث:

كان أهل الحديث هم ممثلو أهل السنة في القرن الثاني الهجري و ما بعده، إلى غاية القرن الخامس الهجري حيث انقسم السنيون على أنفسهم في أصول الدين إلى سلف و خلف، فأما السلف فهم أهل الحديث، و معظمهم من الحنابلة و قلة من الشافعية و الحنفية و المالكية، و أما الخلف فهم الماتريدية و الأشاعرة، فكان معظم الحنفية ماتريدية، و معظم الشافعية و المالكية و قلة من الحنابلة أشاعرة، و بعد انقسامهم استمر أهل الحديث على مذهبهم في أصول الدين على طريقة الصحابة و السلف الأول [1] . فما هو موقف ابن رشد منهم؟.

إنه جنى عليهم بالإغفال و الاتهام، فأما إغفاله لهم فمن مظاهره: إنه أغفلهم كفرقة إسلامية كبيرة لها وجودها المستقل في المشرق و المغرب الإسلاميين، و تأثيرها الكبير على مختلف جوانب الحياة، فعندما تعرض لفرق عصره قال: أشهر الطوائف في زماننا أربعة، هي: الأشعرية، و المعتزلة، و الحشوية، و الباطنية و ذكر منهم الصوفية [2] . فلم يذكر أهل الحديث من بين فرق عصره، مع تأثيرهم الكبير على المجتمع المغربي و الأندلسي زمن دولة المرابطين التي كانت على مذهبهم إلى نهاية دولتهم على أيدي الموحدين سنة 541 هجرية [3] ،و هو نفسه قد عاش عقدين من الزمن في دولتهم [4] . فلماذا أغفلهم؟، يبدو لي أنه تعمد إغفالهم لسببين، أولهما إنه كان يعيش في كنف دولة الموحدين (541 - 668 ه) المعادية للمرابطين و لمذهبهم السلفي، فسايرها في هذا التيار. و ثانيهما إنه لم تكن له معرفة كافية و جيدة بمذهب أهل الحديث تجعله يهتم به و يُقدره حق قدره. مما جعله يُهمله و يحتقر أصحابه و يستعلي عليهم بدعوى أنهم من عوام أهل العلم، و ليسوا من أهل البرهان على حد زعمه.

(1) للتوسع في ذلك أنظر: خالد كبير علال: الأزمة العقيدية بين الأشاعرة و أهل الحديث، الجزائر، دار الإمام مالك، 2005، ص:7 و ما بعدها، 59 و ما بعدها.

(2) ابن رشد: الكشف، عن مناهج الأدلة، ص: 100، 117.

(3) خالد كبير علال: المرحع السابق، ص: 174.

(4) لأنه ولد سنة 520 هجرية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت