نفسه، و لا من نصوص شرعية أخرى، لأن الحديث واضح أنه يقصد جماعة المسلمين التي كانت على منهاج الصحابة و السلف الصالح، و لا يقصد فلاسفة العصر الإسلامي الذين ظهروا متأخرين، و يُحرفون النصوص و يُخفونها عن جمهور المسلمين. و زعمه هذا لا يُشير إليه النص من قريب و لا من بعيد، و إنما هجم عليه و أخضعه لتأويله الباطني، و قوّله ما لم يقله. و طريقته هذه ليست من الموضوعية و النزاهة العلمية في شيء، مهّد بها لكل فرقة أن تقول بأنها هي الفرقة الناجية التي قصدها الحديث دون غيرها، و بذلك أصبح الشرع نهبا لكل مُحرّف يفهمه كما يُريد، و حسب مصالحه و أهوائه و ظنونه من دون أية مراعاة لمبادئ الفهم الصحيح للشرع. فابن رشد لم يفهم الحديث بالعلم، و إنما فهمه بمذهبيته الأرسطية التأويلية التحريفية المتعصبة.
و ثانيا إن مما يدل على خطأ ما ذهب إليه ابن رشد، و أن الحديث يقصد جماعة المسلمين التي هي أهل السنة و الجماعة من الصحابة و السلف الصالح و من سار على نهجهم، أن الحديث وصف الفرقة الناجية بأنها الجماعة، و ابن رشد لم يذكر هذه اللفظة، فلا ندري أنسيها أم تناساها؟. و هذه الجماعة هي التي على منهاج النبوة و الصحابة و من سار على طريقتهم، بدليل أن الله تعالى زكي الصحابة و شهد لهم بالإيمان و العمل الصالح، و وعدهم بالنصر و التمكين الديني و الدنيوي معا في قوله تعالى: (( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ - سورة النور: 55 - و هذا كله تحقق على أيديهم في الواقع التاريخي. فالفرقة الناجية هبي التي كانت على منهاج الصحابة و التابعين لهم بإحسان بدليل الآية السابقة، و الآية الآتية التي تقول: (( وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) )- سورة التوبة: 100 - ، فأهل السنة هم الفرقة الناجية، و ليست جماعة الفلاسفة المشائين و لا غيرهم من الفرق الإسلامية الأخرى. و مما يزيد ما قلناه تأكيدا أن الحديث نفسه ورد بطريق آخر بإسناد حسن فيه تحديد و وصف للفرقة الناجية، و صفها النبي-عليه الصلاة و السلام- بأنها هي (( التي على ما أنا عليه و أصحابي ) ) [1] .
و ثالثا إن قوله يتضمن تدليسا و تعارضا و تغليطا، و ذلك أنه-أي ابن رشد- زعم أن الفرقة الناجية التي قصدها الحديث هي الفرقة التي تأخذ بظاهر النص، بمعنى أنها لا تُؤوّل الشرع تأويلا تحريفيا، و تفهمه وفق التأويل الشرعي. لكنه ناقض نفسه عندما زعم أن تلك الفرقة- التي سلكت ظاهر النص - تمارس التأويل أيضا بطريقة باطنية و تُخفيه و لا تُصرّح به للجمهور، و هذا العمل ينفي عنها أخذها بظاهر النص، فلو أخذت به ما أوّلته تأويلا باطنيا!!. فهي إما أن تأخذ بظاهر
(1) الألباني: الجامع الصغير و زياداته، المكتب افسلامي، بيروت، ج 1 ص: 948.