و أما الحديث الرابع فيتعلق بقول النبي-عليه الصلاة و السلام-: (( إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر ) ) [1] . هذا الحديث أورده ابن رشد بالمعنى و عقّب عليه بقوله: (( و هؤلاء الحكام هم العلماء الذين خصّهم الله بالتأويل ) ) [2] . و قوله هذا فيه تغليط و تحريف للحديث، لأن ابن رشد يقصد بالعلماء الفلاسفة لا علماء الشريعة، لأن علماء الشريعة عنده هم من جمهور أهل العلم، أو من أهل الجدل، فهم على كل حال ليسوا من أهل البرهان و اليقين على حد زعمه. و التأويل عنده ليس هو التأويل الشرعي الصحيح، وإنما هو التأويل الباطني التحريفي الذي مارسه ابن رشد و تخصص فيه. و قد ناقشناه في ذلك و بينا بطلان ما ذهب إليه في الفصل الأول. لذا فالصواب هو أن يٌقال: إن الحكام هم العلماء الذين خصهم الله بالفهم و التأويل الشرعيين على منهاج الكتاب و السنة، و طريقة السلف الصالح، و ما قال به العقل الصريح، و العلم الصحيح.
و الحديث الخامس موضوعه الرؤيا و الأحلام، فعندما تعرّض ابن رشد لهذا الموضوع، و ذكر أن منه الإنذار الشريف، و الإدراك الروحاني، قال: (( و لذلك قيل: إنه جزء من كذا من كذا من النبوة ) ) [3] . فقوله هذا خطأ فاحش، فلا يصح ذكره بهذه الصيغة التي نسبت القول إلى مجهول، و أوردته بصيغة التمريض و التشكيك. لأن القول الذي ذكره هو معنى لحديث نبوي شريف صحيح، رواه البخاري و مسلم، و نصه: (( رؤيا المؤمن جزء من ستة و أربعين جزءا من النبوة ... ) ) [4] . فعمله هذا هو تصرّف غريب جدا، فكان عليه أن يُشير بتأكيد و دقة إلى أن ذلك هو حديث نبوي شريف صحيح. و لا ندري سبب ذلك، أهو سهو و نسيان، أم هو أمر آخر؟!.
و أما الحديث السادس -أي الأخير- فهو قوله- عليه الصلاة و السلام-: (( ستفترق أمتي على اثنتين و سبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة ) ). هذا الحديث ذكره ابن رشد في كتابه الكشف عن مناهج الأدلة [5] . و هو حديث صحيح أورده ابن رشد ناقصا، فلم يذكر في آخره (( و هي الجماعة ) ) [6] . ثم عقّب ابن رشد على الحديث الناقص بقوله: (( يعني بالواحدة التي سلكت ظاهر الشرع، و لم تُؤوّله تأويلا صرّحت به للناس ) ) [7] .
و تعقيبا عليه أقول: أولا إنه واضح من تعليقه أنه يرى أن الفرقة الناجية التي استثناها الحديث هي التي تُمارس التأويل الباطني الرشدي و لا تُظهره للجمهور، فتُخفيه عنهم و تُظهر لهم ظاهر الشرع الذي هو خلاف التأويل. و تفسيره هذا لا يصح، لأنه تأويل ذاتي مذهبي لا دليل عليه من الحديث
(1) مسلم: المصدر السابق، رقم الحديث: 1716، ج 3 ص: 1342.
(2) ابن رشد: فصل المقال، ص: 107.
(3) ابن رشد: تلخيص الحِس و المحسوس، ص: 89.
(4) البخاري: الصحيح، رقم الحديث: 6586، ج 6 ص: 2563. و مسلم: الصحيح، رقم الحديث: 2263، ج 4 ص: 1773.
(5) ص: 150.
(6) أبو داود السجستاني: السنن، ج 2 ص: 608. و الألباني: السلسلة الصحيحة، ج 1 ص: 404.
(7) ابن رشد: الكشف، ص: 150.