و أما معناه عند السلف من المفسرين و الفقهاء و المحدثين، فمعناه التفسير و البيان، و بهذا المعنى عرف هؤلاء معاني القرآن الكريم و الحديث النبوي الشريف [1] . و أما معناه عند المتأخرين، من المتكلمين و الأصوليين فهو: (( صرف اللفظ عن ظاهره و حقيقته، إلى مجازه و ما يُخالف ظاهره، و هذا هو الشائع عندهم ) ). لذا يُقال: (( التأويل على خلاف الأصل ) )، و (( التأويل يحتاج إلى دليل ) ).و هذا المعنى لم يكن السلف يُريدونه بلفظ التأويل، و لا هو معنى التأويل في كتاب الله تعالى [2] .
و يتبين من ذلك أنه يُوجد تطابق تام بين معنى التأويل في الشرع و اللغة، و أن علماء السلف أخذوا بالمعنى الشرعي و اللغوي للتأويل، المتمثل في التفسير و البيان و الشرح. الأمر الذي يدل على أن المعنى الصحيح للتأويل هو ما وافق الشرع أولا، و اللغة العربية ثانيا، و ما كان عليه السلف الأول ثالثا. و ما خالف ذلك فهو باطل، و تحريف للنصوص الشرعية و تلاعب بها، و هو التأويل الذي قال به المتأخرون.
عرّف ابن رشد التأويل بأنه (( إخراج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة المجازية، من غير أن يُخَل في ذلك بعادة لسان العرب في التجوّز من تسمية الشيء بشبيه أو بسببه أو لاحقه أو مُقارنه، أو غير ذلك من الأشياء التي عُددت في تعريف أصناف الكلام المجازي ) ) [3] .
و أقول: أولا إنه عرّف التأويل تعريفا غير صحيح شرعا و لا لغة، و لا هو موافق لمعناه عند السلف الأول. فلم يجعله تفسيرا، و لا بيانا، و لا شرحا، و لا ما يصير إليه الأمر، و إنما جعله عملية فكرية تُخرج الألفاظ من دلالتها الحقيقة إلى مجاز. و المجاز في اللغة العربية هو: استعمال اللفظ في غير ما وُضع له، مع وجود قرينة مانعة من إرادة المعنى المذكور في ذلك اللفظ [4] . فالتأويل الصحيح في أصله ليس مجازا، اللهم إلا إذا أولنا المجاز بمعنى التفسير و الشرح و البيان.
و ثانيا إن تعريفه للتأويل يُؤدي إلى تحريف النصوص الشرعية و التلاعب بها، عندما نصّ على أن التأويل هو: إخراج للفظ من دلالته الحقيقية إلى دلالته المجازية. مما يعني إخراجه إلى دلالة مغايرة لدلالته الحقيقية. و هذا في الحقيقة ليس مجازا، و إنما هو تحريف، لأن المجاز هو أسلوب عربي من أساليب التعبير عن الحقيقة بطريقة بيانية بلاغية، و ليس نفيا لها. كقوله تعالى: (( وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي
(1) ابن تيمية: دقائق التفسير، حققه محمد السيد الجليند، مؤسسة علوم القرآن، دمشق، 1404 ج 1 ص: 329. و ابن قيم الجوزية: الصواعق المرسلة، ط 2، تحقيق: د. علي بن محمد الدخيل الله، دار العاصمة - الرياض،1418 - 1998 ج 1 ص: 175. و ابن سلام: غريب الحديث، ط 1، تحقيق: د. محمد عبد المعيد خانج، دار الكتاب العربي - بيروت، 13962، ص: 141، 146، 154
(2) ابن تيمية: نفس المصدر، ج 1 ص: 330. و ابن القيم: نفس المصدر، ج 1 ص: 175.
(3) ابن رشد: فصل المقال في تقرير ما بين الشريعة و الحكمة من الاتصال، حققه محمد عابد الجابري، ط 3، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2002، ص: 97.
(4) الشريف الجرجاني: كتاب التعريفات، بيروت، دار الكتب العلمية، 1995، ص: 203، 204.