كُنَّا فِيهَا )) -سورة يوسف: 82 - ، و بما أن القرية ليست إنسانا لكي نسألها، فالمعنى هو أسأل أهل القرية. فهذا المجاز -عند من جعله مجازا- عبّر عن حقيقة بهذا الأسلوب، فهو ليس نفيا لها.
و من ذلك أيضا قول رسول الله -عليه الصلاة و السلام-: (( الجنة في ضلال السيوف ) ) [1] . فالذي لاشك فيه هو أن الجنة لا تُوجد حقيقة و عيانا تحت ظلال السيوف، لكن الحديث النبوي عبّر عن حقيقة شرعية هي أن الجهاد طريق موصل إلى الجنة، و أن الجهاد له مكانة هامة في دين الإسلام.
و من ذلك أيضا قولنا عن الرجل الشجاع إذا قدم إلينا: جاء الأسد. فعبّرنا عن صفة الشجاعة فيه بالأسد. فوصفناه بصفة تحمل حقيقة لتصف حقيقة متصف بها هذا الرجل. فهو ليس أسدا بمعنى الحيوان، لكنه أسد بمعنى أنه مُتصف بصفة الشجاعة التي هي أخص صفات الأسد.
و ثالثا إنه-أي ابن رشد- عرّف التأويل بأنه إخراج للفظ من دلالته الحقيقية إلى دلالته المجازية، و هذا تعريف مخالف للتأويل الصحيح الذي يعني التفسير و البيان و الشرح، و نص عليه الله تعالى في قوله: (( وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ - سورة النحل: 64 - . فالرسول -عليه الصلاة و السلام- من مهامه تبيين القرآن الكريم و شرحه للمسلمين، و ليس تأويله لهم بإخراجه عن دلالته الحقيقية إلى دلالته المجازية المزعومة. مع أن النصوص الشرعية محكمة تُفسر بعضها بعضا، و لا يأتيها الباطل من بين يديها و لا من خلفها، لقوله تعالى: (( الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ) )-سورة هود: 1 - ، و (( لا يَاتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) )- سورة فصلت: 42 - . فالنصوص الشرعية تأبى ذلك التأويل الرشدي المزعوم و ترفضه رفضا مطلقا. فإذا أخضعناها له فيحرفها و يتلاعب بها، الأمر الذي يدل على أن التأويل الرشدي ليس تفسيرا و لا مجازا، و إنما هو تحريف و تزييف. لأن التفسير هو شرح و تبيين و توضيح لمعاني النصوص من دون تحريف لها. و لأن المجاز هو أسلوب عربي يُعبر به عن الحقيقة الأصلية بطريقة بيانية بلاغية بلا نفي لها و لا تزييف، و بلا إخراج للألفاظ من دلالتها الحقيقية، و إنما هو تعبير عنها بطريقة مجازية بلاغية.
و رابعا إنه مما لاشك أن القرآن الكريم استعمل مختلف أساليب التعبير في اللغة العربية، كالتشبيه، و الاستعارة، و المجاز، و قد وصف الله تعالى كتابه بأنه أنزله (( بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ ) )-سورة الشعراء: 195 - . فاستعمل الله تعالى تلك الأساليب للتعبير عن الحقائق المذكورة في كتابه العزيز. و بما أنها حقائق فلا يصح أبدا إخضاعها للتأويل الرشدي ليُخرجها من دلالاتها الحقيقية إلى مجازات وهمية. فماذا يبقى فيها إذا أخرجناها من دلالاتها الحقيقية؟!، لا يبقى فيها إلا الظنون و الأوهام و الأهواء. و بما أن النصوص الشرعية كلها حقائق بمختلف أساليبها التعبيرية، تُفهم بالتفسير و البيان و
(1) البخاري ك الصحيح، حققه مصطفى ديب البغا، دار ابن كثير، بيروت، 1987، ج 3 ص: 1037، رقم الحديث: 2663.