فهرس الكتاب

الصفحة 199 من 232

و ثالثا إنه -أي ابن رشد- في موقفه من العلاقة بين الشريعة و الفلسفة المشائية-التي سماها حكمة- انطلق في نظرته إلى تلك الفلسفة بأنها حق و حكمة و علم و برهان كالشريعة، فسوي بينهما في ذلك، و هذا لا يصح شرعا و لا عقلا، و هو جناية على الحقيقة أيضا، لأن تلك الفلسفة فكر بشري باطلها كثير جدا، و حكمتها و صوابها قليل جدا.

ثانيا: نقد وسائل ابن رشد في تقريره للعلاقة بين الشريعة و الفلسفة:

استخدم ابن رشد وسائل عديدة في تقريره للعلاقة بين الشريعة و الفلسفة الأرسطية -التي سماها الحكمة- و دعوته إليها، و دفاعه عنها، و ممارسته لها. سأذكر منها مجموعة متنوعة، أولها إصدار فتوى شرعية بوجوب دراسة كتب الفلسفة اليونانية عامة و الأرسطية المشائية خاصة، فهو يرى أنه قد (( يجب علينا إن ألفينا لمن تقدمنا من الأمم السالفة نظرا في الموجودات و اعتبارا لها بحسب ما اقتضته شرائط البرهان، أن ننظر في الذي قالوه من ذلك، و ما أثبتوه في كتبهم. فما كان منها موافقا للحق قبلناه منهم و سررنا به و شكرناهم عليه، و ما كان منها غير موافق للحق نبهنا عليه و حذّرنا منه و عذرناهم. فقد تبين من هذا أن النظر في كتب القدماء واجب بالشرع، إذ كان مغزاهم في كتبهم و مقصدهم هو المقصد الذي حثنا الشرع عليه ) ) [1] .

و قوله هذا غير صحيح، و فيه تغليط و تلبيس على القراء، لأنه أولا أصدر حكما شرعيا بوجوب النظر في كتب المتقدمين من دون أن يُقدم دليلا شرعيا و لا عقليا يستلزم القول برأيه. لأن المقدمة التي ذكرها لا تستلزم ذلك الوجوب أبدا، و لا يستلزم ذلك علينا إلا إذا كنا مُضطرين إلى دراسة تلك المؤلفات، و ليس لدينا طريقا آخر لتحقيق ما نريد إلا بقراءة تلك الكتب. و هذه الحالة لم يعرفها المسلمون و لا مروا بها، فقد عاشوا أكثر من 150 سنة من دون علوم الأوائل قبل ترجمتها، و كان في مقدورهم أن يعيشوا بدونها إلى أن يرث الله الأرض و من عليها، و يكفيهم الاعتماد على الشرع أولا، و على جهودهم الذاتية في إطار من الفهم الصحيح الشامل للدين و الدنيا معا.

لكننا مع ذلك نقول: نعم لم يكن من الواجب على المسلمين قراءة كتب القدماء، لكنه كان من المباح و الجائز أن يطلع منهم بعض أهل العلم الأكفاء الأتقياء على التراث القديم، فينتقي منه ما ينفع الأمة -في دينها و دنياها- حسب ظروفها و حاجياتها. فهذا الموقف مُغاير للموقف الذي تبناه ابن رشد و أوجب من خلاله دراسة تلك الكتب، فشتان بين الموقفين، فالبون شاسع بينهما جدا!!.

و ثانيا إن الشرع نص صراحة على أن دين الإسلام كامل شامل يُغني أهله من أن يضطروا إلى طلب كتب القدماء بالضرورة و الوجوب، قال تعالى: (( مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ) )-سورة الأنعام: 38 - ، و (( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ) )-سورة النحل: 89 - ، و (( لْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ

(1) نفس المصدر، ص: 93.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت