فهرس الكتاب

الصفحة 198 من 232

الأخلاق و التاريخ، و علوم الطبيعة و العمران [1] . فهذه المنطلقات و الخصائص الشرعية هي التي تضمن للإنسان الطريق الصحيح، في طلبه لعلوم الوحي و العقل معا، و تحميه من المزالق و الأخطار.

و يرى أيضا أن الحكمة هي صاحبة الشريعة، و الأخت الرضيعة ... و هما المصطحبتان بالطبع المتحابتان بالجوهر و الغريزة )) [2] . و قوله هذا غير صحيح، و فيه تغليط و تلبيس على القراء، لأن الرجل انطلق من مُنطلق المساواة بين الفلسفة و الشريعة، و هذا مُنطلق لا يصح شرعا و لا عقلا، و قد سبق أن بينا بطلانه. فلا مجال للجمع و التسوية بينهما، لأنه لا يمكن أن تكون تلك الفلسفة أختا رضيعة للشريعة، و لا صاحبة لها، و لا هما مُصطحبتان بالطبع و الجوهر و الغريزية، لسبب واحد أساسي لم يرد ابن رشد أن يفهمه، و هو أن الشريعة وحي إلهي مُعجز كله حق و نور، و تلك الفلسفة فكر بشري قاصر صوابه قليل و باطله كثير، فهذا الاختلاف في الأساس و المنطلق و الأصول و الفروع، يجعل من الخطأ الفاحش و من الجناية على الشرع و العقل الزعم بأن تلك الفلسفة أخت الشريعة و صاحبتها ... .

و ختاما لهذا المبحث يُلاحظ على ابن رشد أنه أولا لم ينطلق-في موقفه من العلاقة بين الشريعة و الفلسفة- من النقل الصحيح، و لا من العقل الصريح، و إنما انطلق من الفلسفة الأرسطية، و هذا انحراف منهجي خطير مرفوض شرعا و عقلا، لأن هذه الفلسفة -التي سمّاها حكمة- سبق أن بينا أن معظم أصولها و فروها باطلة، و ليس فيها من الحكمة و الصواب إلا القليل. فكان من الواجب عليه أن ينطلق من الشرع أولا، ثم من العقل الفطري ثانيا، فيقرأ الإسلام بالإسلام ولا يقرأه بالأرسطية، لكنه أخضع كلا من الشرع و العقل الفطري للأرسطية التي جعلها منطلقا و حَكَما. و هذا انحراف منهجي خطير هو الذي ورّطه في أخطاء كثيرة جدا، أشرنا إلى كثير منها فيما تقدم من كتابنا هذا.

و ثانيا إنه-أي ابن رشد- لم يكن موضوعيا في منطلق نظره إلى العلاقة بين الشريعة و الفلسفة الأرسطية-التي سماها الحكمة- و حكمه عليها، لأن كلا منهما -في الحقيقة- يرفض الآخر، و يُخالفه في معظم أصوله و فروعه. فالعملية لا مبرر صحيح لها أصلا، و حكاية التطابق و الأخوة، و الرضاعة الاصطحاب بين الشريعة و تلك الفلسفة هي مغالطة و لعب بالألفاظ، لأن الأرسطية ليست ندا للشريعة، و لا تتفوق عليها، و لا تستطيع حتى مزاحمتها. فشتان بين النور و الظلام، و بين الوحي الإلهي و كلام البشر و هذيانهم!!.

(1) ليس هنا مجال تفصيل ذلك، فهناك كتب كثيرة متخصصة تناولت تلك المواضيع.

(2) ابن رشد: فصل المقال، ص: 125.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت