حقيقة، و إنما فعل ذلك ليدفع الأذى عن نفسه، و يجد لها مكانا في مجتمعه من جهة، و يتمكن من الاحتفاظ باعتقاده الأرسطي، و الدفاع عنه و الانتصار له، و لو باستخدام الشريعة نفسها من جهة أخرى. و بمعنى آخر أنه مارس الكتمان و التقية في موقفه من الشرائع و مجتمعاتها، و بذلك هو يرسم الطريق لإخوانه المشائين في التعامل مع الشرائع الموجودة في مجتمعاتهم من جهة، و الاحتفاظ بأرسطيتهم التي هي عندهم الحقيقة الوحيدة المطلقة، ما خالفها باطل يجب إغفاله و إهماله، أو تأويله عند الحاجة.
و يرى أيضا أنه لا تُوجد مُخالفة بين الشريعة و الحكمة-الفلسفة الأرسطية-، و من ظن أنه توجد مُخالفة بينهما فإنه لم يق على كُنههما بالحقيقة )) ،و من ظن ذلك فهو على خطأ لسوء فهمه للشريعة أو للفلسفة [1] .
و قوله غير صحيح، و فيه تغليط و تلبيس على القراء، لأن المخالفة بين الشريعة و الحكمة-أي الفلسفة الأرسطية- واضحة ثابتة بالنظرتين العامة و المُتفحّصة معا. و الخلاف بينهما أساسي في الأصول و الفروع، و على مستوى المصدر و الغاية، و المكانة و الصحة، و هذا أمر سبق تبيانه. فالذي يُفرّق بينهما كثير جدا، و كبير جدا، و الحق الذي الذي يجمع بينهما قليل جدا، لأن تلك الفلسفة المزعومة- التي سماها ابن رشد حكمة- ما هي إلا مجموعة أفكار قامت على الظنون و الأوهام، و الخرافات و الأباطيل، ليس فيها من البرهان و الحقائق إلا القليل. الأمر الذي يثبت أن دعوى ابن رشد باطلة، و أنه هو الذي لم يفهم حقيقة الشريعة و لا الفلسفة، أو هو الذي لم يرد إظهار فهمه لها خِدمة لأرسطيته. فشتان بين كلام الله و كلام البشر، و بين التوحيد و الشرك، و بين النور و الظلمات، و بين عبادة الله و عبادة الهوى، و بين دين الإسلام و دين اليونان، و بين حقائق الإسلام و أساطير اليونان!!.
و يرى أيضا أن (( العلم المتلقي من قبل الوحي إنما جاء مُتمما لعلوم العقل، أعني: أن كل ما عجز عنه العقل أفاده الله تعالى الإنسان من قبل الوحي ) ) [2] . و رأيه هذا يُشير إلى نظرته القاصرة و الناقصة و المحدودة للعلاقة بين علوم الوحي و علوم العقل، لأن حقيقة العلاقة بينهما أوسع من ذلك بكثير، فهي علاقة لا تقوم على الإتمام فقط، و إنما لها أيضا جوانب أخرى كثيرة هامة، أشارات إليها النصوص الشرعية، و نسيها ابن رشد أو تناساها. فعلوم الوحي هي المُنطلق و المُراقب، و الحامي و العاصم، و المُشجّع و المُحرض، و الآمر و الناهي، و الواضع للمناهج، و المُقوّم و الموجه لعلوم الطبيعة و الإنسان، و المُشارك فيها أيضا، لأن في الشرع علوما كثيرة تتعلق بالفقه و العقائد، و
(1) ابن رشد: الكشف، ص: 152.
(2) ابن رشد: تهافت التهافت، ص: 182.