فهرس الكتاب

الصفحة 196 من 232

و قوله هذا غير صحيح، و فيه تلبيس على القراء، لأنه بناه على مقدمة ثانية هي ليست صحيحة بالضرورة، و إنما هي تحتمل الخطأ و الصواب، فهي مقدمة ظنية احتمالية لا يصح الاعتماد عليها في الاستنتاج من المقدمة الأولى الصحيحة، لنصل إلى القول: الشريعة حق، و الفلسفة حق، فكل منهما حق و الحق لا يُضاد الحق. فهذه مغالطة و قياس لا يصح. لكنه قد يصح إذا قلنا: الشريعة حق، و في الفلسفة -المشائية و أمثالها- بعض الحق، فإن هذا الحق لا يُضاد الشريعة، فهذا قياس صحيح. لكن ابن رشد لا يُريد هذا، و إنما يريد أن يجعل فلسفة أرسطو كلها برهان و حق كالشريعة. و هذا أمر لا يمكنه إثباته أبدا، و قد سبق أن أقمنا الدليل الشرعي و العقلي و العلمي على بطلان معظم تلك الفلسفة.

و الغريب في الأمر أن ابن رشد لم يكتف بزعمه أن الفلسفة حق كالشريعة الإسلامية، و إنما زعم أيضا أن الشرائع كلها حق عند الفيلسوف، الذي عليه أن يختار أفضلها في زمانه، و إن (( كانت كلها عنده حقا، و أن يعتقد أن الأفضل يُنسخ بما هو أفضل منه ) ) [1] .

و قوله هذا لا يصح شرعا و لا عقلا، فأما شرعا فإن الله تعالى نص صراحة على أن الدين الوحيد الحق من بين جميع الأديان هو دين الإسلام و شريعته، كقوله تعالى: (( إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ ) )آل عمران: 19 - ، و (( وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) )-سورة آل عمران: 85 - ، و (( فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ) )-سورة يونس: 32 - ، و (( وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) )-سورة الأنعام: 153 - ، فشريعة الإسلام هي الحق، و ما عداها فهي شرائع باطلة، لا تُنجي صاحبها يوم القيامة و مصيره جهنم و بئس المهاد. و لا يحق لأي مسلم أن يقول ما قاله ابن رشد، فهو زعم باطل مُخالف للشرع بالضرورة، و يطعن في إيمان صاحبه.

و أما عقلا فنحن نعلم يقينا أن الحق لا يتعدد، فقد تتعدد طرق الوصول إليه، و زوايا النظر إليه، لكنه واحد في ذاته لا يتعدد. و بما أن الشرائع كثيرة حسب أديانها و مِللها، و نحلها و مذاهبها الدينية و العلمانية، و هي مُتعارضة و متناقضة في أصولها و فروعها، فلا يمكن أبدا أن تكون كلها صحيحة. فهي إما أن تكون كلها باطلة، و إما أن تكون واحدة منها صحيحة فقط، و أما الزعم بأنها صحيحة كلها، فهذا باطل شرعا و عقلا. و من يصر على ذلك فهو مُتناقض مع نفسه، و مُتبع لهواه، و يُلبّس على الناس و يُغالطهم.

و قوله هذا يُذكرنا بقوله في تعدد الحقيقة، فهو هنا أظهر القول بتعدد الحقيقة صراحة، حسب تعدد الشرائع. و هذا أمر باطل، و خطير جدا أيضا، و قد سبق أن تطرّقنا إليه و بينا أن الرجل أظهر فعلا القول بتعدد الحقيقة، على طريقته التأويلية التحريفية للنصوص الشرعية، ليس لأنه يُؤمن بذلك

(1) ابن رشد: تهافت التهافت، ص: 373.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت